لا يزال السؤال عن إمكانية القضاء على حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وعموم فصائل المقاومة، يتردد في أروقة الإعلام والسياسية الصهيونية، سواء أثناء عامي العدوان والإبادة التي شنها الكيان على قطاع غزة، أو بعد أن هدأت قليلاً وتيرة الحرب بعد إعلان الهدنة في أكتوبر الماضي، التي لم يلتزم بها الكيان الصهيوني كالعادة.
وفي مقاله بـ«القناة 7 عروتس شيفع»، وقد ترجمته مؤسسة الدراسات الفلسطينية، تساءل الكاتب الصهيوني إليعيزر شانوفيلد: هل يمكن القضاء على فكرة «حماس»؟ واستبطن الكاتب وجهتي نظر في الإجابة عن السؤال؛ الأولى وهو يؤيدها بشكل غير صريح، وتذهب إلى إمكانية ذلك، لكن الكاتب غير مشغول بتقديم أسانيد لهذا القول، وإنما يكتفي بمناقشة القول الثاني لينتهي لنفس نتيجة القول الأول.
وبحسب رؤيته، فإنه حتى لو يتم القضاء على «حماس»؛ لأنها فكرة، فيمكن تدفيعها الثمن بحيث تفكر كثيرًا قبل معاودة أطروحاتها السابقة، أو بحيث تفقد القدرة أصلاً على تنفيذ نيتها أو رغبتها بالمقاومة المسلحة؛ فتظل «حماس» فكرة غير قابلة للتنفيذ نتيجة ما تلقته من ضربات أو ما دفعته من أثمان.
فيشير الكاتب، باستنكار، إلى ما كان نُقل عن المتحدث باسم الجيش «الإسرائيلي»، بعد نحو نصف عام على اندلاع الحرب، وهو قوله: «إن مسألة تدمير «حماس»، أو محوها، هي ببساطة ذرٌّ للرمال في عيون الجمهور، «حماس» فكرة، وهي حزب، وهي مغروسة في قلوب الناس، مَن يعتقد أننا نستطيع محوها، فهو مخطئ».
فكرة لا تملك القدرات!
ويتساءل كاتب المقال: هل صحيح أنه لا يمكن القضاء على فكرة شيطانية إجرامية تعمل ضدنا؟ وبغض النظر عن السؤال على المستوى الفلسفي، هل يمكن لمتحدث باسم هيئة وُجدت لضمان وجودنا أن يسمح لنفسه بافتراض كهذا أساسًا؟ على سبيل المثال، ماذا افترض الحلفاء ودول العالم الغربي عندما شنّوا حربًا ضد الفكرة النازية الألمانية، وسنّوا قوانين تجعلها غير شرعية؟ وهل نجحوا بمرور الوقت؟ فحتى لو ظهرت على هامش الأحداث مظاهر من التعاطف مع الحركة النازية الألمانية؛ فإن قدرة هذه المظاهر على الانتشار على نطاق واسع وتشكيلها تهديدًا لوجود الشعب اليهودي، معدومة تمامًا.
فهنا، يستهجن إليعيزر شانوفيلد رؤية من يذهب إلى أن «حماس» فكرة لا يمكن القضاء عليها، مشيرًا إلى أن الحلفاء لو تبنوا هذه الرؤية بالنسبة للحالة الألمانية لما قضوا على الحركة النازية، حتى إن ما ظهر لاحقًا من تعاطف معها بات غير قادر على تشكيل أي تهديد.
ثم يضيف شانوفيلد: وبحسب مَن يعتقد أنه يستحيل محو فكرة شيطانية إجرامية من قلوب الذين يؤمنون بها كدين، فمن الواضح أنه يمكن جعْلهم يدفعون ثمنًا باهظًا ومؤلمًا، إلى درجةٍ تجعل التمسك بهذه الفكرة غير مُجدٍ، ويجعلهم يمتنعون من تطبيقها بالقوة، ويجب التأكد من أنه حتى لو كان لديهم نية، فلا يملكون القدرات، ويمكن إبعاد أتباع هذه الفكرة إلى أماكن بعيدة لا يستطيعون الوصول منها إلينا، ولا إلحاق الأذى بنا، وربما يردع ذلك أيضًا أصحاب الأفكار المشابهة بالمنطقة.
درس التاريخ الغائب
المشكلة في التصورات الصهيونية، التي يعبر مقال إليعيزر شانوفيلد عنها، أنها لا تعي درس التاريخ، حتى في مداه القريب جدًّا منا، فضلاً عن الجهل باختلاف السياقات التاريخية والحضارية بين الحالات التي تتم المقارنة بينها.
نعم، غزة كاملة، وليس فقط «حماس» أو الفصائل، دفعت ثمنًا باهظًا من الشهداء والجرحى والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية، وهو ثمن لا يمكن التعبير عنه بلغة الأرقام ولا اختزاله فيها، ويفوق أي قدرة على الاحتمال، حتى كان واضحًا أن الكيان الصهيوني لا يرد فقط على ما جرى يوم السابع من أكتوبر، وإنما يريد تحقيق ما يسميه كيّ الوعي الفلسطيني، من خلال رد عنيف غير مسبوق، يجعل المقاومة تفكر ألف مرة قبل معاودة مثل خطوتها الجريئة يوم السابع، أو تفقد القدرة على ذلك أصلاً، ولهذا يتم الحديث الآن عن نزع السلاح، وربط ذلك بالدخول جديًّا في المرحلة الثانية وإعادة الإعمار.
وبالفعل نجح الكيان في تدفيع غزة الثمن، وهو أمر لا يمثل إنجازًا كبيرًا له نتيجة فارق القوة الضخم لدى الكيان، والشيك المفتوح له من داعميه، الذي يوفرون له غطاءً سياسيًّا وإفلاتًا من العقاب يضاف للغطاء العسكري والإمداد الذي لا يتوقف.
لكن التاريخ حتى في دروسه القريبة، يخبرنا بأمرين مهمين:
الأول: أن الوحشية الصهيونية لم تكن يومًا رادعة للشعب الفلسطيني عن أن يمارس حقه في مقاومة المحتل، وبكل الطرق المتاحة، وحين لم يكن يملك الشعب الفلسطيني إلا الحجارة في الانتفاضة الأولى، وردَّ الكيان بوحشية من خلال سياسة تكسير العظام، التي اتبعها وزير جيش الكيان حينئذ إسحاق رابين، لمعاقبة الشباب والأطفال الذي يواجهون قوات الاحتلال بالحجارة؛ فإن هذا الأسلوب الوحشي في المعاقبة لم يمنع الشباب والأطفال ولا سائر الشعب من أن يمارسوا حقهم ويتمسكوا بأرضهم وثوابتهم.
الثاني: أن نضال الشعب الفلسطيني اتخذ شكل موجات، وكل موجة كانت تختلف عن سابقتها، وأكثر إبداعًا وتطورًا في أدواتها، وأكثر إيلامًا للكيان الصهيوني، رغم أن الكيان أيضًا في كل عدوان يكون أكثر وحشية وقسوة، رأينا ذلك في الانتقال من الحجارة إلى العبوات بدائية الصنع إلى الصواريخ قصيرة المدى إلى تطوير أدوات واستحداث أساليب جديدة، وكثير منها نتيجة الإبداع الذاتي والجهد المحلي، حتى كانت القفزة الهائلة يوم السابع، وفي كل موجة من موجات النضال كانت المقاومة تمتلك عنصر المفاجأة في نوعية ومديات أدواتها ووسائلها.
خط بياني متصاعد
فمن نصدق إذن؛ من يعيشون وهْم لحظة سيطرة وردع، نتيجة حجم الألم والتدمير غير المسبوقين؛ أم الخط البياني المتصاعد الذي يرسمه الشعب الفلسطيني ومقاومته بدمائهم.
ولهذا، لا يبدو دقيقًا اعتبار ما جرى بعد يوم السابع نهاية الطريق، ولا انتظار إعلان غزة استسلامها أو عجزها؛ وإنما -ومن واقع دروس العقود الأربعة الأخيرة على الأقل- هي موجة من موجات النضال التي يصعب التنبؤ بطبيعة أشكالها وأدواتها التالية.