تمثل التربية حجر الأساس في بناء المجتمعات لاختصاصها بصياغة شخصية الإنسان، فهي تؤثر في تشكيل منظومته القيمية وسلوكه ونظرته الكلية للوجود، وتتنوع الفلسفات التربوية بتنوع المرجعيات الفكرية، بين منطلقات روحية وأخرى مادية.
وبين هذين القطبين يتجلى تمايز فلسفة التربية الإسلامية برؤيتها الشمولية للإنسان، وتثمينها لأدنى جهد في بناء الشخصية المسلمة دون التركيز على النتائج المادية فحسب، على عكس الفلسفة المادية التي تنظر للإنسان كمجرد كائن بيولوجي أو استهلاكي، ولا تُقيم إلا النتائج الملموسة.
وفيما يلي توضيح لهذا التباين وأهداف المتباينين وشيء من تمثلات ذلك:
أولًا: الأساس الفلسفي لرؤية الإنسان:
1- في الإسلام:
يرى الإسلام الإنسان خليفةً لله في الأرض، مكرَّمًا بالعقل والروح، مسؤولًا عن أفعاله، ومحاسبًا على اختياراته، يقول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30)، وهذه النظرة تدمج بين البعد الروحي والأخلاقي، والعقلي والمادي، وتجعل التربية وسيلةً لتهذيب النفس، وتحقيق العبودية لله، وبناء مجتمعٍ قائمٍ على التقوى.
2- في الفلسفة المادية:
تنطلق الفلسفة المادية من تصوُّرٍ للإنسان باعتباره كائنًا ماديًا بحتًا، خاضعًا لقوانين الطبيعة أو الاقتصاد أو مبدأ اللذة والمنفعة، دون أدنى اعتبارٍ للروح والغيبيات، فقيمة الإنسان هنا تُقاس بما ينتجه ماديًا؛ ما يجعل التربية مجرد أداةٍ لصناعة فردٍ نافعٍ اقتصاديًّا أو متكيِّفٍ اجتماعيًا.
ثانيًا: أهداف التربية:
1- أهداف التربية في الإسلام:
تهدف التربية الإسلامية إلى تحقيق التوازن بين الجسد والروح، والعقل والقلب، والعلم والعمل، وذلك من أجل تحقيق العبودية لله، وغرس القيم الأخلاقية كالصدق والأمانة والإحسان والرقابة الذاتية، وإعداد الإنسان المستخلف في الأرض، وبناء شخصيةٍ متكاملةٍ تؤثر في المجتمع وتسعى للإصلاح على نهج الأنبياء والصالحين.
2- أهداف التربية المادية:
وتركز التربية المادية على تحقيق الكفاءة الاقتصادية، وإشباع الحاجات والرغبات الفردية، والاندماج في سوق العمل، والنجاح الأكاديمي والتقني، دون اعتبارٍ للأبعاد الأخلاقية أو الغيبية.
ثالثًا: مواقف تربوية في ميزان الفلسفتين:
1- دعاء امرأة عمران:
يقول الله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {35} فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (آل عمران: 36).
وفي الميزان المادي، لا تُعتبر هذه اللحظة ذات قيمة؛ لأن الأم لم تنجز شيئًا ملموسًا بعد، ولم تُظهر إنتاجيةً أو نجاحًا اقتصاديًا، إنها مجرد مشاعر وأمنيات، وهذا لا وزن له في المنظور المادي الذي لا يعترف إلا بالفعل المادي والنتائج القابلة للقياس.
أما في الميزان الإسلامي، فإن صدق نية امرأة عمران ورغبتها في صلاح ابنتها وذريتها يستحق التكريم، حتى خُلِّدت هذه اللحظة في القرآن، وبذلك يصبح هذا الموقف درسًا لكل مُربٍّ؛ فالفعل التربوي قد لا تراه العيون، لكنه يترك أثرًا عظيمًا في ملكوت الله، ويُثمر بطريقةٍ لا يتخيلها العقل.
2- وصايا لقمان:
يقول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13).
وفي الفلسفة المادية، هذه النصائح تبدو كلامًا مثاليًا غير عملي، إذ لا تحتوي على مهارات تقنية أو مؤشرات للنجاح المادي، فالتربية هنا لا تُقاس بشهادةٍ ولا تُقيَّم من قبل مؤسسة تعليمية؛ لذا فهي لا تُحتسب.
أما في التربية الإسلامية، فإن هذه الوصية من أعظم لحظات التربية، وقد خُلِّدت في القرآن لتبقى نموذجًا يُقتدى به، فهي تُرسِّخ في الابن العقيدة السليمة، وتُربيه على خشية الله، والحكمة، والصبر، والأخلاق، وهذا هو جوهر التربية الإسلامية؛ بناء الإنسان من الداخل قبل الخارج.
3- تربية النبي لعبدالله بن عباس:
روى عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالَ لِي: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ..» (رواه الترمذي وحسنه).
وفي المنطق المادي، هذه اللحظة لا تُعد تربية بالمعنى الحديث، فالطفل لم يتعلم مهارةً عمليةً أو معلوماتٍ أكاديميةً قابلةً للقياس، ولكن في الميزان الإسلامي، تمثل هذه الكلمات قمة العمق التربوي، حيث يغرس النبي صلى الله عليه وسلم في قلب الغلام أسس التوحيد، والثقة بالله، والاستقلال الروحي، وقد أصبح ابن عباس بعد ذلك «حبر الأمة» و«ترجمان القرآن»؛ ما يثبت أن التربية الحقيقية تصنع إنسانًا متكاملًا، قادرًا على التأثير في العالم من حوله.
فإلى كل مُربٍّ يشعر بأن جهده ضائعٌ لأنه لا يتوافق مع المعايير المادية السائدة، لأنه لم يُحصِّل ابنه أعلى الدرجات أو لم يبرز في المجالات الملموسة؛ تذكَّر أن التربية الإسلامية تُقيَّم بغير هذا المقياس، فالكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، وغرس الإيمان والقيم في نفوس الأبناء، كلها أعمالٌ عظيمةٌ قد لا يراها الناس اليوم شيئًا ذا بال، لكنها هي ما تُثمر الخير العظيم في المستقبل، ولقد خُلِّدت هذه المواقف في القرآن والسُّنة لتكون دليلًا لكل مُربٍّ على أن التربية تبدأ بكلمة، وتُثمر بموقف، وتُخلَّد بأثرٍ لا يزول.
رقية محمد
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
