أحدث الأخبار
عاجل

أطفالنا و«دولة التلاوة»

+ = -

جاء عن الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمره يومًا بأن يقرأ عليه القرآن، فدُهش وسأل: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، فلما قرأ عليه الصحابي من سورة «النساء»، وبلغ الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) فاضت دموع النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: «أَمْسِكْ».

علمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا التفاعل القلبي مع تلاوة آيات الله؛ هذا الخشوع الذي تتغير منه أحوال قلوبنا لتصبح أزكى وأطيب، وتتغير سلوكيات جوارحنا لتصبح على منهج الله ومراده، علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن تلاوة القرآن عبادةٌ في حد ذاتها يُثاب عليها المؤمن بطمأنينة القلب وبخير الدنيا ورفعة الآخرة مع كل آية يرتّلها فيرتقي.

هذه التزكية في النفس التي تصنعها آيات الذكر الحكيم يتخطى أثرها الفرد وتشمل المجتمع حين تتحول لنهج جماعي يصرفه عن العنف والتفكك الأسري والجريمة والمعاصي، ويتربى الأبناء فيشبّون على التمسك بنهج رباني في زمن يحاصر الشباب بألوان الفتن والمحرّمات المطلة من الشاشات.

هذا الجوهر هو ما يجعل كثيراً من الأسر العربية تتبارى لإرسال أبنائها للكتاتيب والمساجد ودور التحفيظ، بعد تراجع مناهج التعليم الديني القرآني في المدارس المعاصرة.

ليس غريباً إذن حالة الفرح والرواج المصاحبين للبرنامج المصري «دولة التلاوة» الذي يأتي بالتعاون مع وزارة الأوقاف المصرية، ويتبارى فيه نحو 14 ألفًا من القرّاء أطفالاً وشباباً حول مائدة القرآن بأصواتٍ عذبةٍ تخشع لها الأفئدة وتقشعر الأبدان.

أما لجنة التحكيم فتضم علماء ومقرئين مرموقين، يجمعون بين المعرفة الشرعية، وإتقان التجويد، وفهم المقامات الصوتية، ويمنح البرنامج جوائز مالية سخية للفائزين مع إمكانية تسجيل المصحف كاملاً بصوتهم وإمامة التراويح في رمضان، وهو نمط بالتأكيد يستفيد من فكرة المسابقات التي عمّت حياتنا العامة، ويطوّعها لخدمة كتاب الله وإحياء سُنة النبي صلى الله عليه وسلم في «التغني بالقرآن» وترتيله بشكل محكم وبصوت عذب.

مدرسة التلاوة

لمصر تاريخ مجيد في تأسيس معالم مدرسة التلاوة التي عمّت العالم العربي؛ وفي كتاب «مزامير القرآن» للكاتب الصحفي أيمن الحكيم يفسر اعتماد مصر عاصمة دولة التلاوة القرآنية لما لمدرستها من تأثير كبير في العالمين العربي والإسلامي، وما تتميز به من فن الأداء، والحفظ التام والتمكن، وحلاوة الصوت الذي يصل بالمعاني إلى شغاف القلوب.

وفي كتابه «ألحان السماء» يجزم الكاتب محمود السعدني أن قراءة القرآن بعد الشيخ أحمد ندا أصبحت مهنة لها أصولها وفنونها المعتبرة، وقد استطاع المقرئون شق مجرى نهر التلاوة القرآنية، ومنهم الشيخ محمد القهاوي، المقرئ المفضل للزعيم سعد زغلول، والمثل الأعلى لتلميذه الشيخ محمد رفعت.

ثم جاء من بعدهم الشيخ الدمنهوري، ومنصور الشامي، وحمدي الزامل، وكامل البهتيمي، وطه الفشني.. وغيرهم من عظماء المقرئين.

وفي منتصف القرن الماضي، بزغ نجم رواد مدرسة التلاوة المصرية خاصة مع انطلاق بث «إذاعة القرآن الكريم» من القاهرة في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وقد صدحت الإذاعة بأصوات المشايخ محمد رفعت، ومصطفى إسماعيل، وعبدالباسط عبدالصمد، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمود خليل الحصري، وهو أول من سجّل القرآن كاملاً بصوته في مصر، وتتلمذ على هؤلاء مشاهير القرّاء في عالمنا العربي.

يلفت الحكيم، في كتابه، لتأثر المدرسة المصرية بالمقامات التي تتدفق من صوت القارئ لشدة تأثره بالآيات وتمكنه من التلاوة، من ذلك أداء الشيخ مصطفى إسماعيل للآية الكريمة: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً) (مريم: 23)، وهنا تحس بالصوت وهو يجسد حالة الشجن العارمة التي تعيشها السيدة مريم في تلك اللحظة العصيبة، ثم حين يأتي للآية: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (مريم: 25)، حينها تتبدل الحالة والمقام لينطلق صوت الشيخ فرحان جزلًا ليصحبها في عالم الفرح بالوليد عيسى عليه السلام الذي سيغيّر العالم.

نجوم القراء العرب

في القرن العشرين، ظهرت معالم عديد من مدارس التلاوة القرآنية العربية وبخاصة الحجازية، والشامية، والمغربية، والعراقية، وظلت لكل مدرسة خصائص صوتية وروحية جعلتها متميزة ومعروفة عالميًا، وبعيدًا عن حالات الاعتزاز التي قد تتطرف لتراشق عند بعض الجماهير عبر وسائل التواصل؛ فالواقع يشير إلى انسجام تلك المدارس العربية في آذان الأجيال الجديدة، واختيار نماذج من القراء من كل مدرسة عنوانًا لإحكام التلاوة والخشوع والصوت العذب.

في الشوارع العربية تستمع للحصري، والمنشاوي، جنباً إلى جنب مع شيوخ الحرم القرّاء ومنهم علي جابر، وعبدالرحمن السديس، وماهر المعيقلي، وأحمد العجمي، يصاحب المستمع هؤلاء المشايخ مع أقرانهم من الشام القرّاء، ومنهم كريّم راجح، وزهير غنيم، وغيرهم من القرّاء الأجلاء من مدرسة العراق، ومنهم وليد الديلمي، وأحمد نعمة، وكذا بلدان المغرب العربي بأدائهم الوقور الرخيم وقراءتهم المميزة عربياً برواية ورش عن نافع، ومن أبرزهم المقرئ أحمد التجاني، وعمر القزابري، ورشيد غلام.

هنا مدرسة تلاوة عربية كبرى تختلف في الأداء والمقامات الصوتية والقراءات الشرعية، ولكنها تتفق في الإحكام وعذوبة الصوت وسكينته وهي بغية طالب القرآن.

تأثرت تلك الأصوات أيضاً بمقامات فنية بعينها وخاصة المدرسة المصرية والمغربية والعراقية، بخلاف المدرسة الحجازية التي تفضل التقليل من فكرة التنغيم لارتباط القراءات عادة بالصلاة في الحرم الشريف، لكن يعنينا بدرجة أكبر أن تلك المدارس قد أثرت المستمعين العرب كما أثرت العالم الإسلامي وباعتراف قراء إندونيسيا وماليزيا وتركيا وعموم أفريقيا وآسيا.

عبرة التلاوة.. الخشوع

مرّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة على أبي موسى الأشعري وهو يقرأ القرآن، وكان ذا صوت حسن، فسمع له وقال عند ذلك: «لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير داود»، فلما أصبح وجاء أبو موسى أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا. (صحيح البخاري).

لهذا، فإن العلماء يجيزون اهتمام المقرئ بجماليات الصوت والمقامات، لكن على ألا تطغى على هيئة التلاوة أو تضييع أحكام التجويد وتغيير مخارج الحروف أو تصرف صاحبها عن خشوعه مع القرآن، فيصبح أقرب لطلب الشهرة التي تهوي بصاحبها، أما تحسين الصوت وموافقة المقام بالفطرة مع إحكام القراءة فهو مرغوب لما يتركه في نفس القارئ من أثر عظيم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «زيّنوا القرآن بأصواتكم»؛ أي يحسّن صوته دون تكلف.

هكذا اتفق كبار العلماء ومنهم القرطبي وقد قال: «تزيين الصوت غير التلحين المفسد للمعاني»، وقول الإمام ابن حجر: «التطريب الطبيعي محمود، والمصنوع المكلف مذموم».

وتظل عبرة التلاوة والبهجة بها مقترنة بما تطبعه في النفس من خشوع لله وتدبر في خلقه وحكمته، لقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: 29)، ولا ينكر أحد أن برامج التلاوة جزء من القوة الناعمة الحضارية لبلدان العالم العربي والإسلامي، ولهذا نهضت تلك البلدان لإحياء مدارس التلاوة من جديد؛ فظهرت فكرة الكتاتيب من جديد التي تسعى لتعويض غياب الدرس القرآني عن الأجيال اليوم.

الوسم


أترك تعليق