لكل شريعة أساس، ولكل قانون أعمدة، ولكل مجتمع أسسه التي ينبني عليها، وأساس شريعة الإسلام وعماد مجتمعها الأخلاق، إنها ليست خياراً يتخذه من يريد ويعرض عنه من يريد، وليست نسبية نأخذ منها بقدر حاجتنا ونترك بقيتها، وليست ثقافة يمكن التخلي عنها ثم نعود إليها، إنها سمة هذا الدين وأمر الله عز وجل ونبيه صلى الله عليه وسلم.
وهي ليست مجرد فريضة تنفع صاحبها فقط، بل هي ضرورة تنعكس على المجتمع ككل، بل وعلى العالم أجمع بتحقيق مراد الله عز وجل في عباده، وتحقيق هدف النبوة حين قال صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق» (رواه أحمد).
وهي أوامر الله المباشرة إلى عباده المؤمنين، يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) (النحل 90)، ويقول سبحانه: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف 199).
وفي ذكر مجموعة من الأخلاق التي تبنى عليها المجتمعات الصحيحة يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {11} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) (الحجرات).
ولأن هذه الأخلاقيات سماوية المصدر، فلا بد أنها تحمل خصائص أخرى غير تلك التي تحملها قوانين الأرض.
1- تشريع رباني لا اجتهاد بشري:
فالأخلاق الإسلامية مستمدة من كتاب الله وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم كأوامر وعبادات يجب تأديتها، فهي ليست هوى بشرياً، أو نتاجاً عقلياً لأحد.
2- الشمول والتكامل:
بعض القوانين حين توضع تكون مثالية للزمن الذي وضعت فيه، والمكان الذي شرعت من أجله، ثم تتطور الحياة فتفقد صلاحيتها لتغير حال الناس، لكن الأخلاق الإسلامية صناعة ربانية، وضعها الخالق وهو أعلم بما يصلح خلقه ويغطي احتياجاتهم ويحمي حاضرهم ومستقبلهم، فهي تستوعب كافة مظاهر الحياة والعلاقات الاجتماعية، وتشمل العمل للدنيا والآخرة.
3- صلاحيتها المستدامة للزمان والمكان:
فلا يجوز اليوم وبعد ما يزيد على 14 قرناً أن نقول: إن خلق الصدق لم يعد صالحاً للتطبيق، ولا أن ندعي أن العدل أو التكافل أو التعاون غير صالح للتطبيق، فهي أخلاق ثابتة وسلسة وما يطبق في الشرق، يصلح حال الغرب، يقول تعالى: (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) (يونس 64).
4- الارتباط بالعقيدة والعبادة:
الأخلاق ثمرة من ثمرات الإيمان، ولذلك فهي ترتبط بتجديد النية وتوجيهها ابتغاء مرضاة الله عز وجل خالصة له سبحانه، يقول تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) (العنكبوت 45).
5- الواقعية وسهولة التطبيق:
الأخلاق الإسلامية تراعي طبيعة الإنسان وضعفه، فلا تطلب الكمال المطلق تجملًا ومشقة أمام الناس، بل تفتح باب التوبة، وتوازن بين المثالية والقدرة البشرية، وتتوافق مع العقل السليم والنفس المستقيمة، وتتواءم مع الفطرة السليمة، وتنسجم مع جملة ما أتى به الدين من تشريعات، فلا تناقض في التطبيق.
ولذلك، لا ينكرها عقل إنسان حتى ولو كان غير مسلم، وتلين لها قلوب الخلق مهما كان دينهم، وبتطبيقها تحدث الطمأنينة التي يسعى الإنسان لتحقيقها في حياته، يقول تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: 286)، والوسع هو كل ما أنزله الله تعالى، ويقول سبحانه: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185).
6- العالمية:
الأخلاق الإسلامية موجهة لكل البشر دون تمييز عرقي أو ثقافي، فهي صالحة للتطبيق من الجميع بما أنها تؤسس لقيم لا تتناقض مع نفس بشرية سليمة، فلا أحد ينكر قيمة كالرحمة والعدل والكرامة والبذل والكرم.
والخطاب القرآني والنبوي موجه للبشرية وليس فقط للعرب أو العشيرة، يقول تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، وفي الخطاب القرآني: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).
7- عبادة تخضع لمبدأ الأجر والمساءلة:
الأخلاق جزء من التشريع الرباني، بل هو الجزء الأكبر من التشريع، فبالأخذ بها يثاب المرء عليها، وتركها معصية لله عز وجل يحاسب عليها، وبذلك، يصبح الدافع وراء استحضار هذه الحكمة منطلقاً من صميم الإيمان بالله، ومقترناً بالحرص على فعل الخيرات وامتثال الأوامر، لتغدو في جوهرها لوناً من ألوان التعبد والتقرب إلى الله عز وجل في سائر الأوقات والظروف.
يقول تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة)، ويقول عز وجل: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف: 49)، فكل صغيرة وكبيرة من سلوك إنساني مدون عند الله وهو محاسب عليه
8- التوازن والاعتدال:
أمر الأخلاق في الإسلام بعيد تماماً عن المغالاة، وبعيد عن المثالية الزائفة، بل هناك اتزان عجيب يجمع بين مصالح الدنيا والآخرة فيجعله طريقاً واحداً.
كذلك فيه اتزان بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع والأمة، وهي دعوة إلى القصد والاعتدال، فلا إفراط ولا تفريط؛ فـالكرم -على سبيل المثال- خُلقٌ وسطيٌّ بين شُحِّ البخل ومنع الحقوق التي شرعها الله في العطاء، وبين غلواء الإسراف الذي يعرّض المرء للإفلاس وضياع المقدرات.
وكذلك الشجاعة؛ فهي القوة التي تدفع المرء للذود عن حياضه وحرماته، لكنها تعصمه من السقوط في مهالك التهور، كما تنأى به عن مَذلَّة الجبن التي تُذهب الغيرة وتورث المهانة.
وهكذا هي جملة الأخلاق الإسلامية، فيقول تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) (البقرة: 143)، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: 67).
9- الرقابة الذاتية:
الرقابة الذاتية تعني بقاء الإيمان يقظاً بالقلب، مع استحضار رقابة الله عز وجل، فهي رقابة مستمرة لا تتبدد بغياب من يطبق القانون، ولا تتأثر بانشغاله، وذلك في جميع أمور الحياة، هو مؤمن بالله عز وجل، مؤمن بكتابه العزيز، مؤمن بأن الله يراه ومطلع عليه ومحاسبه حتى لو غفل الناس جميعاً عنه، وحتى لو أغلق عليه ألف باب.
وينطلق فهمه من قول الله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ) (العلق: 14)، وقوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الحديد 4)، ويقول عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء 1).
فحين يتلو المسلم تلك الآيات في ورده اليومي ويعي معناها؛ فإنه يتيقن من رقابة الله عليه؛ فتتكون في نفسه الرقابة الذاتية تلقائياً ليصير عبداً ربانياً بحق، يصعب عليه الوقوع فيما يغضب الله.
10- تحقيق مقاصد الشرع:
الأخلاق التي شرعها الله تحقق مقاصد الشرع وفق غاياته التي حددها الله عز وجل كذلك من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ولذلك، حددت الآياتُ القرآنيةُ التي تناولتِ الأخلاقَ الغايةَ الأرفعَ من تزكيةِ النفسِ البشرية، وذلك في مثل قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: 25)، فإرسال الرسل، والكتب كان لإقامة العدل بين الناس، وكذلك الأمر مع كل خلق يكون له مقصد من مقاصد الشريعة التي تحفظ للإنسان حياته على الأرض.
إن منظومة الأخلاق الإسلامية تسمو فوق كافة القوانين الوضعية؛ كونها الضمانة الأسمى لسعادة الإنسان المتزن وبناء شخصيته المتكاملة، فهي لا تكتفي بتأطير وجوده في الدنيا وتيسير سبله فيها، بل تنظم علاقته بالكون وكل من فيه وما فيه بانسجامٍ تام، لتصبح هذه الأخلاق ضرورة وجودية للبقاء، وشرطاً أساسياً لصلاح الأرض واستمرار الحياة.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
