كتب خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى أهل فارس يدعوهم إلى الإسلام: «بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى رستم ومهران وملأ فارس، سلام على من اتَّبع الهدى، أما بعد: فإنَّا ندعوكم إلى الإِسلام، فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإن معي قوماً يحبُّون القتل في سبيل الله كما تحب فارس الخمر، والسلام على من اتبع الهدى».
وكتب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن: «من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس، سلام على من اتَّبع الهدى، أما بعد: فالحمد لله الذي فَضَّ خِدْمَتَكُمْ، وسلب ملككم، ووهّن كيدكم، وإنه من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ما لنا وعليه ما علينا، أما بعد، فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إِليّ بالرُّهُن، واعتقدوا مني الذمَّة، وإلا فوالذي لا إِله غيره لأبعثن إِليكم قوماً يحبون الموت كما تحبون الحياة»(1).
في ساحات المواجهة، لا يُرفع السلاح فقط، بل تُرفع الكلمة كذلك، ويُعدّ التهديد بالانتقام أحد أبرز مفردات الخطاب المجاهد في الإسلام، والتهديد هو الوعيد بما يُكره، ويُطلق على كل ما يقصد به التخويف.
تهديد العدو في القرآن والسُّنة
استخدم القرآن الكريم أسلوب التهديد في مواضع متعددة، بقصد الدعوة إلى الله تعالى وردع الأعداء، حيث قال تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) (البروج: 12)، وقال عز وجل: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: 60)، وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة: 73)، ووصف الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأنهم أشداء على الكفار؛ أي أقوياء وأعزة، حيث قال في كتابه الكريم: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح: 29).
والناظر في مكاتباته صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء يجد أنه كان يستخدم أسلوب الوعيد والتهديد أحياناً، ففي كتابه إلى هِرَقْلَ: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بداعية الإسلام أَسلِمْ تَسلَم، أسلِم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأَرِيسيِّين..».
وفي كتابه إلى كسرى: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلامٌ على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، أدعوك بداعية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافةً، لينذر من كان حيًّا ويحقَّ القول على الكافرين، أسلِم تسلَم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس»، فلما قرئ عليه الكتاب مزَّقه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مُزِّق ملكُه»(2).
مقاصد تهديد العدو في السياسة الشرعية
1- سياسة وقائية تسعى إلى تأمين البيئة الدعوية.
2- الردع المعنوي للعدو عن العدوان قبل وقوعه.
3- تثبيت المؤمنين وبث الطمأنينة في نفوسهم.
4- هدم هيبة الباطل.
5- تهديد العدو وسيلة للانتصار عليه، ففي صحيحي البخاري، ومسلم، عن جابر بن عبدالله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ».
الضوابط الشرعية لتهديد العدو
1- الصدق: فلا يكون التهديد مجرد كلام ليس له رصيد في الواقع.
2- أن يتوجه إلى المحاربين فقط: فلا يجوز تهديد الآمنين وترويعهم.
3- أن يكون خالياً من المعصية أو الاعتداء: كالتمثيل بالجثث أو اغتصاب النساء.
4- أن يكون بقصد تحقيق المصلحة الراجحة: كرد العدوان أو حماية الأمة.
5- عدم الإسراف: حتى لا يفقد أثره، أو لا يقدر قائله على تنفيذه.
6- اقتران التهديد بالتوكل على الله والثقة في نصره.
العلاقة بين تهديد العدو وإظهار عزة الإسلام
المسلم حين يهدد عدوه لا يفعل ذلك من غير استناد إلى رصيد من القوة والعزة في نفسه، بل إن هذا التهديد هو أحد ملامح القوة والعزة، فالمسلم يستمد عزته من دينه، حيث إننا قوم أعزنا الله بالإسلام، والله عز وجل صاحب العزة، فهو يمنحها من يشاء، قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) (فاطر: 10)، هذه العزة جعلها الله لنفسه ووهبها رسوله والمؤمنين، حيث قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون: 8).
والعزة التي تعني القوة على الكافرين هي الشرط الذي جعله الله تعالى صفة لمن اختارهم لأداء مهمة الجهاد في سبيله، حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة: 54).
وقد أوصى الله عز وجل المجاهدين في سبيله ألا يضعفوا أو يستهينوا بأنفسهم، بل دعاهم إلى أن ينطلقوا من هذه العزة في الإقدام، وأن تكون هي مصدر الشجاعة والقوة في نفوسهم، فهم الأعلون عند الله عز وجل ما داموا مؤمنين به، حيث قال تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)، وقال عز وجل: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (محمد: 35).
__________________
(1) حياة الصحابة: الكاندهلوي (1/ 245).
(2) زاد المعاد في هدي خير العباد: ابن القيم (3/ 871).
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
