ويتسابق القسماويون كما هو متعارف عليهم بهذا اللقب في إحضار الأكاليل والأعلام واللافتات.. وفي الساعة العاشرة من صباح ذاك اليوم تنطلق المسيرة التي يشارك فيها أهالي كفر قاسم عن بكرة أبيها إحياءً لذكرى مجزرة ارتكبت في عام 1956على أيدي الجنود الصهاينة بحق 49 شخصاً من أهالي القرية العائدين من إعمالهم مساء ذاك اليوم.
مجلة «العودة» زارت بلدة كفر قاسم وأعدت التحقيق الآتي:
لمحة تاريخية
بلدة كفر قاسم أصبحت اليوم مدينة بفعل العمران الذي تقدم فيها بجهود أبنائها وشبابها. تُعرّف كفرقاسم بأنها بلد الشهداء منذ مجزرة عام 1956، وهي الآن بلدة الدعوة الإسلامية في منطقة المثلث الفلسطيني المحتل، حيث يوجد في القرية نحو ما يزيد على عشرة مساجد تجدها مبنية من أفخم أنواع الحجارة ومفروشة بأفضل أنواع الفراش، فضلاً عن الإقبال المتزايد من الأهالي على الصلاة وإعمار المساجد.
ويعود بناء البلدة إلى ما قبل ثلاثمائة عام، وفيها آثار رومانية قديمة، كانت بلدة كفر قاسم عام 48 النقطة التي توقف عندها المدّ الإسرائيلي في احتلاله لفلسطين، وبذلك تكون قد احتلت عام 48.
تقع كفر قاسم على ربوة (تل) ترتفع 150 متراً عن سطح البحر وعلى المرتفعات الأولى (الجبال السامرة) أو الضفة الغربية. كما أنها تُعتبر إحدى قرى المثلث وتقع في قاعدته الجنوبية, وعلى بعد ثمانية كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مدينة بيتاح تكفا (ملبس سابقاً) وهي من القرى الحدودية الواقعة غربي الخط الأخضر مباشرة.
في ذكرى المجزرة
وفي ذكرى المجزرة يتحدث الشيخ إبراهيم صرصور رئيس الحركة الإسلامية بمدينة كفر قاسم لمجلة «العودة» قائلاً: «إن كفر قاسم تحيي ذكرى مجزرتها بمستوى تقليدي في كل عام حيث يجتمع أهالي القرية ويخرجون بمسيرة جماهيرية يحملون اللافتات والأعلام والأكاليل حتى يصلوا إلى النصب التذكاري للشهداء.. وهناك يستمعون إلى الخطابات والكلمات التي تُلقى عليهم ثم تتوجّه المسيرة لزيارة الشهداء في مقبرة الشهداء شرقي البلدة.
يضيف: «في تلك الأيام نخصص يوماً في المدارس العربية في الداخل الفلسطيني للحديث عن وحشية المجزرة التي نُفذت بحق الآمنين والعزل والأطفال والنساء.. كما نسعى لأن تبقى تلك الذاكرة حاضرة بوجدان العرب على مستوى الداخل والخارج، كما أننا ندرس إمكانية أن نوجه إعلامنا لليهود لفضح ما قام به جنرالاتهم بحق الأبرياء.
وشدّد صرصور على أن المجزرة جرح نازف، فرغم مضيّ أكثر من خمسين عاماً عليها، إلا أنها حاضرة في كل بيت في البلدة فتجد صورهم خالدة في قلوب أحبتهم قبل أن تكون على جدران منازلهم.
متحف الشهداء
وبيّن صرصور أنهم في القرية قاموا بتشييد متحف يتكون من ساحة الشهداء التي يوجد فيها صورة خريطة القرية والنصب التذكاري. صور منذ عام 56 و66 و76 وسنوات كثيرة تشرح تكاثر السكان وتطور القرية، بالإضافة إلى صور جوية لمقبرة الشهداء وتطورها منذ عام 1956 حيث ارتكبت المجزرة وحتى اليوم. يوجد في ساحة الشهداء 49 حجراً، كل حجر يحمل اسم أحد شهداء المجزرة، وفي سقف ساحة الشهداء أسلاك وضعت عليها 49 حمامة من الحمام المتحرك الذي يشكل ظلاً، ويُخرج أصواتاً تدل على براءة الشهداء.
يحتل المتحف الطابق الأول من المركز الجماهيري في كفرقاسم، أما الطابق الثاني فيحتوي مكتبة وغرف إضافية. وتجد في داخل متحف الشهداء زوايا عديدة: غرفة للأشرطة تعرض من خلالها أشرطة عديدة حول المجزرة دون انقطاع، وغرفة صغيرة صممها أبعيني إيليان غرفة من الحديد كتب على بابها 56، ينظر المشاهد داخلها بدافع حب الاستطلاع حيث تتوافر الإضاءة فيرى بداخلها ماء ينزل على 49 علبة (تنكة) ومع نزول نقاط المياه على هذه العلب تخرج أصوات معينة.
غرفة أخرى تضم أشياء قديمة من ممتلكات الشهداء وعائلاتهم، بما فيها ملابسهم ودراجاتهم الهوائية التي كانوا يستعملونها أثناء عودتهم من أماكن عملهم، ومقتنيات أخرى خاصة بهم. كما توجد أيضاً رسمة خاصة تعبر عما تحويه الغرفة. يضم المتحف زاوية أخرى مستطيلة عبارة عن مجسم للموقع الذي ارتكبت فيه المجزرة، الفلماية، أشجار الصبر والزيتون التي كانت موجودة بالقرب من المكان.
ويشمل المتحف زاوية خاصة بالشهداء، الجرحى والناجين والوثائق الخاصة بهم من صور وشهادات ومعلومات وافية عنهم وعن عائلاتهم. ويضم المتحف مسرحاً واسعاً يتسع لنحو 300 شخص وفيه منصّة كبيرة، حاسوب متحرك وجهاز عرض بطول 25 متراً ، شاشة كبيرة. وتعرض في المسرح المسرحيات العديدة الخاصة بالمجزرة والمناسبات الخاصة. كما يحتوي المتحف على غرفة اتصال ومراقبة، وملجأ تُحفظ فيه المواد الخاصة بالمجزرة بالإضافة إلى غرف مستقبلية.
ويقول صرصور إن المتحف هو عمل توثيقي مهم حيث جمعنا به كل ما يخص الشهداء والجرحى وشهادات الأهالي، ومن نجوا من المجزرة، لكي تكون موثقة منا لأبنائنا وأحفادنا، وتبقى ذكرى المجزرة شاهدة على وحشية الاحتلال الذي لا يزال يقوم بانتهاكات ضد أبنائنا العرب، وعكا خير مثال.
شهادات
الحاج عزمي الذياب لا يكاد يستطيع التحدث بعدما أخذ العمر منه قوته، يخبر «العودة» بلغة محلية فلاحية: «.. يومها كنا راجعين من ملبس (مستوطنة بيتح تكفا اليوم) أنا وأربعة من البلد، لما وصلنا أول الجبل اْسمعنا صوت بارود (رصاص) مشينا حتى قبل ما نصل مكان الجيش أسمعناهم يتحدثوا بلغتهم العبرية، كنت يومها أنا أفهم مليح شو بِحكوا، بس متأكدتش مليح، اتفقنا إنّا نقعد اشوي على الطريق نسأل إللي بخرجوا شو في؟.. قعدنا أكثر من ساعة ولا حدّ مرّ! اعرفنا إنو في منع للتجول.. قام أحد الشباب إللِّي معنا وقال خليكو أنا بدي أروح مشي من ورا الطريق وأشوف شو في؟!.. غاب صديقنا أكثر من نصف ساعة والعملية ما تستغرقش 10 دقائق، استطولنا وقلنا بدنا نروح نشوف، مشينا بالطريق إلي هو مشى فيها وجدناه راجع وعلامات وجهه غير طبيعية، وقال لنا إن اليهود كل واحد بدخل البلد يقتلوه وقتل فلان وفلان وشفتهم بجنب السنسله قاعدين معهم سلاحهم لقدام اشوي وتخبيت منهم عشان هيك تأخرت.. وبعدها هربنا بعيد اشوي وإحنا مُش عارفين شو صار بأهلنا».
ثم يضيف «الصبح خرج الأهالي من البيوت بعد ما سمعوا شو إلي صار وشفنا الجيش انسحب من البلد ورحنا ولقينا 49 من أهلنا مقتولين».
جرح ينزف
رغم مرور تلك الأعوام على مجزرة كفرقاسم، إلا أن شباب القرية يقولون إنها حية في ذاكرتهم رغم السنين التي لم يكونوا أصلاً قد عاشوها.
فمعتصم إبراهيم يقول أن المجزرة لا تزال تعيش معهم حتى اليوم، ففي كل بيت تدخل فيه من بيوت القرية تجد صوراً لأحد الشهداء، فذاك الجرح الذي أفقد البلدة وقتها 49 شهيداً لا يزال ينزف.
وبذكر المجزرة يقول: يجلس والدي ليتحدث لنا عن تلك الأيام، ويذكر أن عمه الذي استشهد في المجزرة وهو عائد من العمل يقول أبي لقد كان عمّي يحضّر نفسه للزفاف ولكنه زف في الجنة بالحواريات.
أما المنطقة القريبة من المسجد القديم بالقرية، التي تعتبر مركزاً للمدينة، حيث تحيط بالمسجد المقاهي المشهورة ببلدة كفرقاسم يجلس الشباب ويتحدثون معاً ويشربون القهوة والشاي.
فعلى إحدى الطاولات يقول لنا معتز: «يوم مجزرة كفرقاسم نتذكر أن هذا المكان كان يجمع أهالي البلدة يعودون من العمل ثم يجتمعون هنا للتسامر ويصلون العشاء معاً في المسجد هذا». ويضيف: «تعتبر مجزرة كفرقاسم جرحاً لا يمكن أن ينساه أهالي البلدة رغم السنوات التي تمرّ فكلٌّ منا فقد أحد أقربائه أو أصدقائه».
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
