تأبى الجريمة على النسيان بعد انقضاء 28 سنة، فهي راسخة في أذهان من بقي يرويها، جيلاً تلو جيل، لتبقى صورها شاهدة على جريمة لا تمحوها الأيام من الذاكرة.. لكن على الأرض الآن في ساحة الجريمة، تكاد لا تلحظ أي أثر أو معلم يدلّ على أن أبشع جرائم الحرب في القرن الماضي قد ارتكبت هنا. دماء أسيلت هدراً، ولم تُدفع ثمناً على طريق العودة وتحرير فلسطين.
قتل المدنيين بصمت
لم يشعر أحد من خارج محيط المجزرة، حتى كثير من الموجودين داخل مخيمي صبرا وشاتيلا بما كان يجري من قتل وتنكيل. بهدوء تام، بدأت ليلة الخميس الظلماء وانتهت نهار يوم السبت، فكانوا مختبئين في منازلهم والملاجئ حفاظاً على سلامتهم من قصف الصهاينة المحاصِرين للمنطقة مما جعلهم في جزر شبه منقطعة عن بعضها. وجرت عملية القتل بشكل تدريجي ابتداءً من محلة بئر حسن وانتهت في مستشفى غزة في صبرا. وكان المجرمون يقتلون كل من يصلوا إليه أو يصل إليهم، من دون إحداث أي ضجة ومن دون تمييز، لا في الهوية ولا في العمر ولا في الجنس، والناجي منهم يفرّ الى داخل المخيم ليخبر الأهالي المختبئين بما يجري، لكن أحداً لم يصدّق ما يرويه الفارّ عن آلة القتل التي تجتاح المنطقة. عمليات قتل الضحايا كانت تتم بعدة أساليب، فبعدما توقف القصف (كما جرى في مجزرتي قانا) والتقنيص من المحاصرين، دخل أفراد القوات اللبنانية الميدان بالحرب والبلطات والرشاشات الكاتمة للصوت. كانوا يجمعون السكان تارة على حائط الموت ويرمونهم بالرصاص (كما جرى في مجزرة دير ياسين وكفر قاسم)، وتارة يدخلون البيوت تباعاً ويذبحون من يجدونه قابعاً في منزله بين أفراد عائلته، ونادراً ما كان ينجو أحد من أفراد العائلة مهما بلغ من العمر. ولم يكتفوا بذلك، بل قاموا بجرف بعض المنازل والملاجئ على من بداخلها لتسهيل إبادتهم وقتل أكبر عدد ممكن في أقل وقت قبل أن تفوح رائحة الجريمة. والطريقة الأخيرة كانت سبباً في جعل عدد الضحايا متفاوتاً بين تقديرات الخبراء.
الهدف من المجزرة
بعدما روى ياسين، وهو أحد الناجين منها بعض وقائع عاشها آنذاك، يؤكد أن الهدف من المجزرة هو الانتقام من كل الشعب الفلسطيني بشكل عام، وليس رداً على اغتيال بشير الجميل الذي سبق وقوعها بيومين، ويضيف أن مثل هكذا مجزرة تحتاج إلى تخطيط وإعداد مسبق، ربما سرّع اغتيال الجميل تنفيذها وهو الذي صرح في وقت سابق بأنه سيجعل من المخيمين «حديقة حيوانات» بعد جرفهما. فما كان من القوات اللبنانية و«إسرائيل» إلا الانتظار لحين خروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان إلى تونس. لذلك لم تكن المجزرة أيضاً إبان مطاردة أو محاربة للفدائيين. وينفي ياسين أن يكون التهجير سبباً لها، لأنهم لم يسمحوا للمدنيين العزل بالخروج منه مثلما فعلوا أثناء «إفراغ» مخيم تل الزعتر من أهله. وإذا نظرنا إلى أساليب القتل والتنكيل، فإننا سوف نفهم جيداً كيف كان الانتقام هدفاً للقتلة، فهم استخدموا أساليب وحشية أبرزها تقطيع الأيدي والأرجل قبل القتل، تعليق الناس على أعمدة الكهرباء، ربطهم بالحبال وجرّهم بالسيارات، بَقْر بطون الحوامل، الضرب بالبلطة على الوجوه والأجساد والسخرية منهم، اغتصاب بعض النساء، كيل الشتائم والإهانات أثناء القتل.
..والناجون أيضاً ضحية
فُجع من بقي على قيد الحياة من هول ما حدث، وكل واحد فقد أعزاءً له، من عائلته أو أقاربه أو أصدقائه ومعارفه. مئات من أرباب الأسر والمعيلين استُشهدوا، عشرات العائلات لم تجد بيتاً يؤويها بعد جرف معظمها وقصفه، مُصابون ومُعوّقون حتى يومنا هذا لم ينالوا أدنى اهتمام ورعاية، لا تعويض دُفع لذوي الضحايا.
أحزمة الفقر والبؤس كانت وما زالت تخيم على السكان، قسم كبير منهم يعيش على المساعدات، كما هو حال أم علي التي فقدت جميع أفراد أسرتها وليس لديها أي مصدر دخل ثابت تقتات منه. غالبية الناس يعيشون على دخلهم اليومي، يشربون مياهاً غير صالحة للشرب، يزاحمهم سكان سوريون وأكراد ولبنانيون على رقعة أرض ضيقة تجعل منها مكاناً مكتظاً. ويساور الأهالي قلق من مستقبل مجهول، فياسين أصبح أشد تشاؤماً من ذي قبل جراء الواقع الفلسطيني الحالي. فهو يعتقد أن القيادة الفلسطينية في السابق وحالياً لم تحقق شيئاً، ولن تفعل ذلك طالما أنهم مختلفين ويتلقون الدعم من أنظمة أخرى تلقي عليهم بأوامر ومتطلبات من شأنها أن تزيد من الانشقاق ولا تشبع سوى مصلحة النظام الذاتية.
المقاومة المخيّبة
خروج المقاومة الفلسطينية إلى تونس قبيل المجزرة ترك المخيمات في لبنان عارية الصدر وعرضةً للتنكيل من قبل أعدائها الكُثر. قيادات فلسطينية رأت حينها في الخروج خطأً فادحاً، ودفعت باتجاه ثَني منظمة التحرير على الخروج مفضّلين الموتَ عليه. نادت تلك القيادات بأعلى صوتها، لكن صوت الضغوط الدولية والعربية كان أعلى منها. وبقي أمل لدى أهالي المخيمات بأن مقاومة بديلة سوف تولد من جديد. بدأت بوادرها بالظهور شيئاً فشيئاً، ما أعطى الثقة للفلسطينيين لبعض الوقت بعدما باتوا يشاهدون شباناً يدافعون عن المخيم بشكل فردي، إلا أنّ المجزرة لم تترك لها مكاناً وأبادتها في مهدها.
تلى ذلك حرب المخيمات بين حركة أمل والفلسطينيين المحاصرين (1985-1988)، وأعقبها اقتتال داخلي في المخيمات ومن بينها صبرا وشاتيلا، بين مقاتلين من حركة فتح أحدث انشقاقاً كبيراً لم يقتصر على حركة فتح بل انسحب على كل شرائح الشعب الفلسطيني وقطاعاته. كل هذا حدث قبل أن تجف الدماء التي خلفتها حرب المخيمات حينها من الشوارع، ما أدى إلى زيادة في نزف الدم الفلسطيني.
أما الآن فلا تملك المقاومة الفلسطينية الموجودة داخل الأراضي المحتلة قوة ردع رغم التطور النسبي في آدائها. فهي لم تستطع أن تصد أو تقطع اليد الإسرائيلية التي ترتكب الجرائم، وكان آخرها الجرائم ضد المدنيين في حرب غزة (شتاء 2008–2009). ولا أحد يستغرب أن تقدم «إسرائيل» على ارتكاب المزيد من المجازر في المسقبل بحق الشعب الفلسطيني. في المقابل حازت المقاومة اللبنانية على أسحلة متطورة جداً من شأنها أن تردع «إسرائيل» عن ارتكاب الجرائم، أو أن تكمل من دون عقاب.
لماذا صبرا وشاتيلا؟
يُعتبر المخيمان الموجودان في العاصمة اللبنانية بيروت مرتكزاً مهماً لوجود الفلسطينيين في لبنان، وهما نقطتان ضعيفتان في الوقت ذاته لأنهما متجاوران ومفتوحان من جميع الجهات المتاخمة. وتقع تلك المنطقة على أرض منخفضة ويطل عليها حي المدينة الرياضية وحي السفارة الكويتية حيث تمركزت القيادات المجرمة (شارون، ايلي حبيقة، رافييل ايتان، ..) على الطابق الرابع من أحد المباني في مساكن ضباط الجيش اللبناني التي احتلتها القوات الغازية هناك، وأشرفت هذه العصبة المجرمة على تنفيذ الجريمة وسط حصار ضربته الآليات العسكرية على المخيم، وتحت القنابل الضوئية الكاشفة التي أطلقها جيش الاحتلال في المنطقة. فالمنطقة من الناحية الجغرافية تُعدّ «ساقطة عسكرياً»، ويسهل الوصول إليها من مختلف الجهات وقريبة أيضاً من مطار بيروت، الأمر الذي مهّد لدخول بعض القوات العسكرية عبرَه.
ولا تزال تنبض
ثلاثة آلاف شخص قضوا شهداء، ولم يُقضَ على الوجود الفلسطيني هناك. صحيح أن غالبية السكان في المنطقتين من غير الفلسطينيين في الوقت الراهن، إلا أن قسماً كبيراً من الفلسطينيين بقوا صامدين في داخله ومنهم من لم يذهب بعيداً، بل انتقل للعيش في الأحياء المجاورة لكل مخيم كالضاحية الجنوبية لمدينة بيروت والطريق الجديدة والجناح، في حين أن عدداً منهم رحل إلى مدن ومخيمات أخرى داخل لبنان. لكن لم يهاجر إلى الخارج نهائياً سوى 147 عائلة أي ما نسبته 12% من السكان الباقين آنذاك.
شارع صبرا أصبح سوقاً تجارياً يجذب إليه الناس للتبضع من مختلف أنواع البضائع، خضار، ألبسة، مواد غذائية وأدوات منزلية، كلها بأسعار رخيصة نسبة إلى المناطق الأخرى.
فالذي تغير هو التركيبة السكانية للمخيمين، فشاتيلا مثلاً يسكن فيه أكثر من 19 ألف نسمة في آخر إحصاء أجري فيه، 5 آلاف منهم فقط من الفلسطينيين، أي أن ربع سكان المخيم المذكور تقريباً من الفلسطينيين والباقي من جنسيات مختلفة (لبنانيون وسوريون وأكراد وغيرهم…)، ولم يعد للاجئين فقط بل أضحى مأوى للغرباء والفقراء الذين يأتون للعمل في بيروت ويختارون المخيم هرباً من غلاء السكن في باقي المناطق.
استمرار المجزرة سياسياً
لا شك أن القاتل المنفّذ للجريمة ما زال موجوداً وبقوة في لبنان، يرتكب المزيد من الجرائم السياسية والقانونية بحق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من خلال نفوذه وما يملك من سلطة. فحزبا القوات والكتائب اللبنانية يرفضان منح اللاجئين حقوقهم المدنية، وعززا الموقف المسيحي باصطفافٍ طائفيٍ غير معهود قَطع الطريق على مقترحات قانونية قدمتها إلى مجلس النواب اللبناني كتلة «اللقاء الديموقراطي» التي تمثل الحزب التقدمي الاشتراكي. وتقوقعت الطوائف من جديد على نفسها، وتَمتْرست بتاريخ أحزابها و«قواتها»، واستطاعت، حتى الآن، تأجيل التصويت على قوانين تمنح الفلسطينيين قليلاً من الحقوق..
محاكمة المجرمين .. متى؟
بما أن المجزرة ارتكب فيها «إبادة جماعية»، يحق لذوي الضحايا والناجين رفع دعاوى قضائية في معظم دول العالم، وليس هناك مهلة تعطى بل الباب مفتوح أمام كل من ينوي تقديم شكوى في المحكمة الدولية في لاهاي شرط موافقة الدولة التي ينتمي إليها المتقدمون بها. هذا ما فعلته سعاد سرور الناجية من المجزرة عام 2001، لكن ذلك جرى من دون جدوى، لأن «إسرائيل» ما زالت أقوى دولياً، ومارست ضغوطها الدولية المعتادة، ما أدى إلى إقفال الملف. وفي بلجيكا، البلد الذي احتضن القانون الذي يسمح برفع الشكوى من أي شخص دون تمييز، جرى بعدها تعديل القانون بحيث لا يطال شخصيات من شأنها أن تؤثر على علاقتها مع دولهم.
يقول محمد أبو سمير (من سكان شاتيلا)، «على المعنيين من الفلسطينيين أن لا يملّوا من العمل حتى القصاص من القتلة ومعاقبة من بقي منهم، اعلم أن الطريق شاقّ وأنه يحتاج إلى تظافر جميع الجهود وعدم التعويل على الأنظمة العربية المتقاعسة على نصرة القضية». ويضيف أبو سمير «علينا الاستعانة بالناشطين والمتطوعين الأجانب والعرب المقيمين في الغرب ولهم باع طويل في نصرة القضية الفلسطينية»، مشيراً إلى وجوب مشاركة اللبنانيين والسوريين ومصريين من ذوي الشهداء في المجزرة في هذا المجال، لانهم يشكلون جزءاً من الضحايا لا يمكن تجاهله (27% من الضحايا لبنانيون، حوالى 5% منهم سوريون، و4% منهم مصريون). ♦
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
