منذ أن رُسمت حدود عالمنا الإسلامي على موائد الاستعمار في «سايكس-بيكو»، لم تتوقف محاولات تمزيقه وإضعافه، وإن تبدلت الأدوات وتغيّرت العناوين، فالتفتيت لم يعد اليوم خرائط تُقسَّم بالحبر، ولكن صار صراعات تُدار بالنار، وحروب وكالة تُشعلها أيادٍ خفية، وتُغذّيها مشاريع الهيمنة، وتدفع ثمنها الشعوب والأوطان.
لقد أدرك أعداء الأمة مبكراً أن كسرها يكون باحتلال الأرض، وتفكيك الإنسان، وتمزيق الهوية، وزرع الشقاق داخل المجتمعات، وتحويل التنوع الطبيعي إلى صراع، والاختلاف المشروع إلى اقتتال مدمر، فكانت «سايكس–بيكو» البداية المعلنة، لكنها لم تكن النهاية، بل كانت الأساس الذي بُنيت عليه مراحل متعاقبة من الإضعاف المنهجي، سياسياً واقتصادياً وثقافياً وفكرياً.
واليوم، لم تعد أدوات التفتيت تحتاج إلى جيوش غازية تحتل العواصم، لكن باتت تُدار عبر حروب الوكالة، حيث يُستنزف الداخل بأيدي أبنائه، وتُغذّى النزاعات بشعارات براقة، تارة باسم الحرية، وتارة باسم الحقوق، وتارة باسم الطائفة أو القومية، بينما المستفيد الحقيقي يراقب من بعيد.
إن حروب الوكالة ليست سوى الوجه الحديث لمخططات قديمة، تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، وتُستخدم فيها جماعات وتنظيمات، تُرفع لها الرايات وتُمنح الأدوار، ثم تُترك بعد أن تؤدي وظيفتها في الهدم والتمزيق.
وفي خضم هذا المشهد المعقّد، يُراد للأمة أن تنشغل بصراعاتها الداخلية، وتنسى بوصلتها، وتغيب عن قضيتها المركزية، وتفقد ثقتها بذاتها وبقدرتها على النهوض.
وفي هذا العدد، نسعى إلى كشف خفايا هذه المخططات، من أجل بناء وعيٍ راسخ، يدرك أن ما يجري حلقات في سلسلة واحدة، وأن مواجهة التفتيت لا تكون بردود فعل عاطفية، بل برؤية شاملة، تجمع بين الوعي السياسي، والالتزام القيمي، والبصيرة الشرعية.
إن الإسلام الذي وحّد شعوباً وقبائل وأعراقاً تحت راية واحدة، ما زال يمتلك القدرة على جمع الكلمة، وترميم ما تصدّع، وبناء مشروع حضاري قائم على العدل والكرامة والإنسانية، غير أن ذلك مشروط بإحياء فقه الواقع، وتعميق فقه الأولويات، والتمييز بين العدو الحقيقي والخصم المصنوع، والخلاف المشروع والصراع المدفوع.
إن معركة اليوم معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة بناء قبل أن تكون معركة صدّ، وما أحوج الأمة في هذا الزمن إلى خطاب راشد، يُحصّن العقول، ويمنع الانجرار خلف مشاريع التفتيت، ويعيد الاعتبار لوحدة الصف، وقيمة الإنسان، وقدسية الأوطان.