أحدث الأخبار
عاجل

حسن الظن بالله.. وبناء المجتمع الإيجابي

+ = -

 

تحفل مكتباتنا اليوم بطيف واسع من كتابات التنمية البشرية التي تخبرنا عن السعادة بوصفها منظوراً داخلياً وزاوية رؤية للعالم، لا كقيمة خارجية كامنة في العالم من حولنا، وتحضنا نصائح علم النفس على النظرة الإيجابية والتفسير الجيد للأحداث والأمور من حولنا، في زمن تتسع فيه دوائر الإحباط الجمعي، وتضعف فيه الثقة بجدوى العمل الجاد والتفكير الإيجابي، لتحل محلها سعادة الاستهلاك والإنجاز.

في خضم تلك السيولة الكاملة والسعادة الغائبة لم يعد سؤال القيم الروحية سؤالًا فرديًا محضًا، بل بات سؤالًا اجتماعيًا بامتياز، فالأزمات المتراكمة التي تعيشها المجتمعات لا تفرز فقط اختلالات اقتصادية أو سياسية، بل تُنتج في عمقها هشاشة نفسية عامة، تتغذى على الشك واليأس وتآكل المعنى وفقدان الغاية.

ومن هنا تبرز بعض القيم الإسلامية لا بوصفها وعظًا أخلاقيًا، بل باعتبارها أدوات إعادة بناء للإنسان والمجتمع معًا، ووسيلة للإنقاذ مما يشوب عالمنا اليوم من تيه وحيرة.

وتأتي قيمة «حسن الظن بالله» في مقدمة هذه القيم، لا كحالة شعورية لتسكين الألم، ولا كخطاب يُطلب من الفرد استحضاره عند الشدائد فحسب، وإنما كمنظور شامل لإعادة تنظيم علاقة الإنسان بالله بما ينعكس إيجابياً على الفرد والمجتمع والفضاء العام.

فالإسلام منذ لحظة بعث النبي صلى الله عليه وسلم لم ينشغل ببناء الهياكل المادية للدولة والمجتمع فحسب، بل انصرف أولاً إلى ترسيخ الأسس النفسية والروحية، إدراكًا منه بأن المجتمع القوي لا يُتصوَّر من دون فرد يتمتع بصلابة داخلية وثبات نفسي يؤهله لحمل أعباء الاستخلاف والتكليف.

حسن الظن بالله.. من فضيلة فردية إلى قيمة مجتمعية

ينحصر تناول حسن الظن بالله في كثير من الخطابات الدينية المعاصرة في كونه سلوكًا فرديًا يعين الإنسان على الصبر وتجاوز المحن الشخصية، بينما يغيب البعد الأوسع لهذه القيمة بوصفها مُكوِّنًا أساسيًا في تشكيل العقل الجمعي، فحين يتحول حسن الظن بالله إلى تصور عام يحكم نظرة المجتمع للابتلاء والنجاح والفشل، فإنه يُعيد بناء منظومة كاملة من السلوكيات، تتجاوز دائرة الوعظ السلبي إلى الفعل الإيجابي المسؤول.

فالقرآن الكريم لا يقدّم حسن الظن بالله بوصفه حالة نفسية معزولة، بل يطرحه في سياق التجربة الإنسانية الكاملة، حيث يتجاور الابتلاء مع اللطف، والعجز الظاهر مع الفرج الكامن، وانعدام الأسباب مع المعونة الإلهية.

حسن الظن والعقلية الإيجابية

تقدّم سورة «يوسف» نموذجًا بالغ الدلالة لعقلية حسن الظن بالله، لا من زاوية الركون السلبي، بل من منظور القدرة على التقاط النعمة وسط المحنة، فيوسف عليه السلام، وهو يستعرض مسيرته المليئة في الظاهر بخذلان الأخوة وظلم الاتهام والتغييب في السجن، نجده لا يتوقف عند الألم، بل مكنه حسن ظنه بالله من استحضار نعم الله الكامنة في سائر مراحل حياته، فيقول: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف: 100).

هذه الرؤية تبين مآلات حسن الظن بالله على عقلية الفرد وانعكاساتها على المجتمع، فذلك الإيمان الراسخ بحسن تدبير الله لعباده المؤمنين هو ما أدى في النهاية إلى عفو يوسف عليه السلام عن إخوته؛ لأنه رأى ببصيرته المستندة إلى الظن الحسن أن تلك المحن الظاهرية كانت لطفاً إلهياً بالغاً أوصلته إلى حكم مصر وأعانته على لمّ شمل أسرته مرة أخرى.

وفي القصة نفسها نجد ظناً حسناً من زاوية أخرى هي زاوية نبي الله يعقوب عليه السلام، تتجلى فيها مقاومة الانكسار النفسي بأوضح صورها، فنجد يعقوب عليه السلام حين يفقد ابناً ثانياً لا يستبد به اليأس، بل يقول: (عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا) (يوسف: 83)، هنا لا يكون حسن الظن إنكارًا للفقد، وإنما رفضًا للاستسلام له، وهي قيمة محورية تحتاجها المجتمعات التي تواجه أزمات ممتدة.

وفي موقف آخر وقف موسى عليه السلام والبحر من أمامه وجنود فرعون من خلفه، وانعدمت الحيل الدنيوية لديه حتى يئس بنو إسرائيل وظنوا أنهم مدركون، لكن حسن ظن موسى عليه السلام بالله تجلى في جوابه: (قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء: 62)، فما أن قال ذلك حتى جاءه المدد الإلهي: (فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (الشعراء: 63).

لم يكن هذا اليقين انسحابًا من الواقع، بل لحظة فاصلة بين عقلية الهلع وعقلية الثبات، وهي لحظة تُحدّد مصير المجتمعات في أوقات التحول الكبرى.

وبينما أوشك الكفار أن يدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبا بكر الصديق رضي الله عنه في الغار خلال هجرتهم إلى المدينة، نرى حسن ظن نبينا بالله حين يقول: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، ثم يجيء نصر الله مُلبياً فيقول الله تعالى: (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 40).

الخريطة السلوكية لحسن الظن بالله

وبذلك يظهر أن حسن الظن بالله لا يعمل كقيمة شعورية مجردة، بل يُنتج منظومة سلوكية متكاملة، إذا سادت في المجتمع، انعكس أثرها على أنماط التفكير والعمل وصناعة القرار، ومن أهم القيم الاجتماعية التي يعززها حسن الظن بالله:

1- الحمد: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) (النمل: 15).

في هذا السياق، لا يُختزل الحمد في الامتنان اللفظي، بل يتحول إلى وعي بالنعم المتاحة ومن ثم الإدارة الرشيدة لها، ما يُنتج مجتمعًا أقل ارتهانًا لثقافة الشكوى وأكثر قدرة على توظيف إمكاناته، ما يجعل عقلية المجتمع الحسن الظن بالله مجتمعاً إيجابياً لا يلتفت إلى الإحباطات ولا يعبأ بالعوائق، بل يستعين بما لديه من نعم وإمكانات ويتغلب بها على المصاعب.

2- اليقين: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51).

بوصفه ثمرة لحسن الظن بالله، يحدّ اليقين من حالة الشك والضبابية التي تُعطّل المبادرات قدرات المجتمع، فالاطمئنان إلى الميزان الإلهي العادل والمُحكم، يحرر الأفراد والمجتمعات من عقلية القلق المُفرِط ويُصقل مهارات الاستمرارية والمُثابرة والثبات.

3- الأمل: (فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ) (الكهف: 40).

يتحرك الأمل في رحاب حسن الظن بالله باعتباره موقفًا روحانياً إيمانياً يدفع نحو الفعل، فاليأس حين يتسرب إلى الوعي الجمعي يتحول إلى انسحاب من المجال العام، وانعدام ثقة في الجدوى والمعنى؛ ما يخلق مجتمعات يلفها الإحباط ويقعدها الاكتئاب، أما حسن الظن بالله فيورث المجتمعات المؤمنة قدرة على المبادرة تتحرك في سياق من الإيجابية النفسية والعقلية.

4- التوكل على الله: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3).

في بعده الاجتماعي، يصنع توازنًا دقيقًا بين العمل والثقة، بين الجهد البشري وحدود السيطرة، وهو ما يُنتج أفرادًا يعملون دون ولع مرضي بالنتائج، ويخططون دون تعلق مرضي بالمكاسب.

5- الثبات: (وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ {250} فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ) (البقرة).

فالثبات هو الامتحان الحقيقي لإيجابية الإيمان؛ فالمجتمعات لا تنهار بين ليلة وضحاها، بل حين تعجز عن الصمود طويل النفس، وحسن الظن بالله يمنح هذا النفس الطويل، لأنه يحرر الإنسان من وهم السيطرة الكاملة، دون أن يسلبه مسؤوليته، فحسن الظن بالله هو طلب للثبات من الله مع يقين باللطف والمدد الإلهي.

القيم الإيمانية والفعل الاجتماعي

وأخيراً، فإن المجتمعات لا تنهض بكثرة الموارد وحدها، بل بنوعية القيم الحاكمة لعلاقتها بالواقع، وحسن الظن بالله، حين يُفهم بوصفه قيمة مُحرِّكة للفعل لا مُسكِّنًا للآلام، يتحول من فضيلة فردية إلى ركيزة اجتماعية قادرة على إعادة بناء الثقة بالاستعانة بالله أولاً ثم بالأسباب الدنيوية دون تعلق بالنتائج ولا انشغال بالمآلات.

ولا يُقاس حضور هذه القيمة بوفرة الخطاب الوعظي عنها، بل بقدرتها على إنتاج فرد إيجابي فاعل لا منسحب ولا يائس، ومجتمع يُحسن قراءة الابتلاء دون أن يتخلى عن الأمل والعمل، فحين ينفصل الإيمان عن الفعل، يتحول إلى عبء نفسي، أما حين يتجسد في السلوك والاختيار والصبر الواعي، فإنه يصبح قوة تغيير حقيقية، قادرة على مواجهة الأزمات لا الهروب منها، وعلى صناعة الأمل لا استهلاكه.

د. مي سمير

الوسم


أترك تعليق