في زمن تُستباح فيه الحرمات، ويُحاصر فيه أهل الإيمان، تبرز قوة خفية لا يراها الناس، لكنها تصنع الفارق في المعارك، وتُثبّت الأقدام عند اللقاء، إنها صلاة الخاشعين، التي تهزّ السماء، وتربط الأرض بالملأ الأعلى، وتغذّي قلوب المجاهدين والمرابطين باليقين والثبات.
قيمة الخشوع في الصلاة
الخشوع هو الخضوع والاستكانة والتضرع، والإقبال على الصلاة بالقلب والجوارح، وعدم الانصراف عنها بأي منهما، فليس الخشوع حضور القلب مع عبث الجوارح، ولا استكانة الجوارح مع انصراف القلب، بل حضورهما سوياً واندفاعهما نحو الله تعالى، فمن فعل ذلك حقق النجاح والفلاح، قال عز وجل: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون).
شوع بالصلاة في صناعة الثبات
تسهم الصلاة الخاشعة في صناعة الثبات من خلال استشعار المعاني الآتية:
1- حضور القلب بين يدي الله:
إذا حضر القلب فإنه يتغذى باليقين في وعد الله تعالى بالنصر والتأييد، حيث قال عز وجل: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ) (آل عمران: 160).
2- مصداقية المجاهد مع ربه:
الخاشع في صلاته صادق في ولائه، ثابت في امتحانه، يأتيه الشيطان فلا يأخذ من صلاته شيئاً، بل يندحر ويخسأ بتعلق الخاشع بربه، كما تهاجم وساوس النفس وشهوات الدنيا المصلي في صلاته، فإذا كان خاشعاً فإنها لا تؤثر فيه شيئاً، بل ينصرف عنها إلى ربه وصلاته، فهذا قد نجح في الاختبار البسيط، وهو القدرة على الثبات في مواجهة التحديات في الصلاة، وهذا يؤهله للثبات في ميدان الجهاد.
3- الارتباط بين الصلاة والجهاد في القرآن والسُّنة:
أوضح القرآن الكريم ذلك الارتباط في غزوة «بدر» التي وقف فيها النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو ربه حتى سقط رداؤه، ونزل قول الله تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) (الأنفال: 9).
4- الخاشعون جنود مجهولون في جلب النصر:
الخشوع في الصلاة إعلان للضعف بين يدي الله، والله تعالى يعطي النصر لمن كان ذليلاً له، حيث قال عز وجل: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) (آل عمران: 123)، وفي سنن النسائي بسند صححه الألباني عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا بِدَعْوَتِهِمْ، وَصَلَاتِهِمْ، وَإِخْلَاصِهِمْ».
كيف نصل إلى الخشوع في الصلاة؟
حتى تكون الصلاة مصدر ثبات، يجب أن نسعى إلى تحقيق الخشوع فيها، ومن الوسائل التي تعين على ذلك:
1- الاستعداد للصلاة، من خلال إسباغ الوضوء، وحسن اختيار مكان الصلاة، وتهيئة النفس للقاء الله.
2- تدبر القرآن، حيث إن فهم معاني الآيات التي يتلوها المسلم في الصلاة يزيد من خشوع القلب.
3- التفكر في عظمة الله، وذلك من خلال التأمل في أسماء الله وصفاته، فإن هذا يعمق الشعور بالخضوع.
4- الابتعاد عن الملهيات، حيث يترك الهموم الدنيوية ويركز على الصلاة فقط.
5- الدعاء بالخشوع، وذلك من خلال طلب الخشوع من الله، فهو واهب الخشوع ومعين العبد عليه.
واجبات عملية لبناء الثبات من خلال الصلاة
1- العودة إلى الصلاة الحقيقية، التي يتجلى فيها الخشوع والخضوع لله تعالى، فلا ينصرف المسلم عن صلاته تحت تأثير وساوس الشيطان.
2- استحضار حلاوة الأجر من الله تعالى، فإن هذا يفرغ القلب من هموم الدنيا ومشكلاتها، كما يفرغه من لذاتها وشهواتها، فإن فعل ذلك فإنه يجد راحته في طول صلاته وقيامه بين يدي ربه، وهذا تدريب عملي لغرس قيمة الثبات في النفس.
3- التلذذ بقراءة القرآن الكريم، فقد روى أحمد في مسنده بسند حسن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَأُصِيبَتْ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَافِلًا، وَجَاءَ زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَحَلَفَ أَلا يَنْتَهِيَ حَتَّى يُهْرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِلًا، فَقَالَ: «مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟».
فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَكُونُوا بِفَمِ الشِّعْبِ»، قَالَ: وَكَانُوا نَزَلُوا إِلَى شِعْبٍ مِنَ الْوَادِي، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيَكَهُ؟ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟ قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ، فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَ الرَّجُلِ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ عَادَ لَهُ بِثَالِثٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَهَبَّ صَاحِبَهُ، فَقَالَ: اجْلِسْ فَقَدْ أُوتِيتَ، فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذَرُوا بِهِ فَهَرَبَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدِّمَاءِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، أَلَا أَهْبَبْتَنِي قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَأُرِيتُكَ، وَايْمُ اللهِ، لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا، أَوْ أُنْفِذَهَا.
4- السجود وقود، ففي السجود يقترب العبد من ربه، فيمده الله بمدده، فكلما سجد العبد اقترب، قال تعالى: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (العلق: 19)، وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ ساجد، فأكثروا الدعاء»، وهنا نجعل من السجود محطة وقود، وصرخة مقاومة، ومن الدعاء تضرعا لجلب الثبات والانتصار.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
