لا أعرف متى يبدأ يوم الجائع، ربما لا يبدأ أصلًا، لأنه لا ينتهي، فحين يخيّم عليك الليل بلا لقمة تسدّ الجوع، وتجلس في خيمتك تحاصرك أسراب البعوض، وتغفو على وقع القصف والطائرات التي تحوم فوق رأسك، ودويّ المدافع التي ترمي بحممها فوق الرؤوس، تصبح الساعات متداخلة؛ الجوع لا ينام، ولا يسمح لك أن تنام.
في كل صباح، أفتح عينيّ على سؤال واحد متكرّر: “ماذا سنأكل اليوم؟” سؤال بسيط في ظاهره، لكنه مرعب في تفاصيله، لأن الجواب عليه غالبًا ما يكون: لا عدس، لا خبز، أو صحن عدس بدون ملح، أو رغيف خبز بدون أي شيء يُغمَس فيه.
صحفيون كُثر في غزة يكتبون تقارير عن المعاناة اليومية، ونحن منهم، لكن ما لا يعرفه القارئ أن جلنا يكتب عن الجوع وهو جائع، يروي حكاية الناس وهو واحد منهم، لا يملك أفضلية عليهم، إلا قلمًا يحاول أن يصرخ بدلًا منهم في هذا الصمت القاتل.
البحث عن لقمة
قبل أن أقرّر ما أكتب، أبدأ كما تبدأ معظم العائلات في غزة يومها: بالبحث عن الطعام. هاتف هنا، اتصال هناك، سؤال عن سعر كيس دقيق أو نصف كيلو عدس، ثم مهمة أحد أفراد العائلة للنزول إلى السوق، إن وُجد سوق أصلًا.
الأسعار نارية ولا تصدق: كيلو الدقيق أكثر من 30 دولارًا، كيلو الطماطم بأكثر من 30 دولارا، كيلو العدس بأكثر من 20 دولارا، وعلبة حليب الأطفال -إن وُجدت- فاق سعرها 130 دولارًا. وإن أردت سحب 75 دولارًا من حسابك، لا تصلك إلا 40، بعد اقتطاع السوق السوداء، أي أنك تدفع تقريبًا 44 دولارًا مقابل كيلو دقيق!
على المائدة… صمت
الطعام، إن وُجد، لا يجمعنا كعائلة كما كان يومًا، بل يأخذ كل فرد حصته الصغيرة ويجلس بصمت، يأكلها دفعة واحدة أو يقسّمها على يوم كامل.
البعض صار يفطر عند الظهر، فقط لتوفير الطاقة، وصار الواحد منّا يحسب خطواته خطوةً خطوة، فلا أجساد تقوى على غول الجوع.
القهوة؟ منسية. الشاي؟ بلا سكر. السكر سلعة نادرة، والملح متوفّر لكنه باهظ، ومع ذلك نشربه مذابًا في الماء، لأنه بات علاجًا للدوخة ونقص الصوديوم.
أولادي هم المأساة التي تمشي أمامي، أراهم يذبلون، ينهار تركيزهم، يضعف جسمهم، وأشعر بالعجز الكامل. أُخفي عنهم جوعي كي لا أخيفهم، فهم يعيشون منذ عامين بلا ترفيه ولا غذاء صحي، محرومون من أبسط حقوق الأطفال، وها هم يدخلون متاهة مجاعة طاحنة.
عضلات تتآكل… وأمل لا يموت
أراقب نفسي في المرآة كل فترة، فلا أحتاج ميزانًا لأعرف أنني فقدت 18 كيلوغرامًا منذ بداية الحرب، كل ما أراه وجه يشحب يومًا بعد آخر، وعيون تزداد غؤورًا، وعظام تزداد بروزًا. لا أدري إن كانت الدهون هي التي تحترق، أم أن عضلاتي هي التي تتآكل بصمت.
ومع كل هذا، لا زلت أكتب. أكتب لأننا لا نملك إلا الكلمة، ولا أريد لجوعي أن يُنسيني معاناة غيري. أكتب لأجل الجائعين الذين لا يملكون حروفًا تصرخ، ولأجل أطفال فقدوا الوزن والضحكة.
في نهاية اليوم، أعود إلى فراشي، مثقلا بهمومي وآلامي، لا خبز في اليد، ولا ضوء في نهاية النفق المظلم، لكن الحلم لا يزال في القلب: أن أستيقظ يومًا، وأجد ابني يقول لي: “بابا، شبعنا”.
المركز الفلسطيني للإعلام
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
