يستأثر مصطلح «التطبيع» بزاوية واحدة عند الطرح للحديث والنقاش والدراسة، تتعلق فقط بتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وهو نهج ليس عند العامة فحسب، بل يطال النخب السياسية والثقافية والفكرية.
الواقع يؤكد أن رداء المصطلح تمدد وتوسع ليشمل قضايا أخرى، بما يفرض علينا توجهات مشبوهة، ومخططات خبيثة، يراد لنا التطبيع معها، بالاستسلام، والقبول، والتبعية، والتقليد.
من هذه المخططات، التطبيع مع «اللواط»، والنسبة هنا إلى قوم لوط وليست إلى نبي الله لوط عليه السلام، ولفظ اللواط مصدر من «لاوط»؛ أي عَمِلَ عَمَل قوم لوط، قال تعالى: (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ {54} أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ {55} فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (النمل).
كان قوم لوط أول من مارس الشذوذ الجنسي بين الرجال، وكانوا يأتون هذه الفاحشة علناً، يقول العلامة القرطبي في تفسيره: (مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ) (الأعراف: 80): إن منْ لاستغراق الجنس، أي لم يكن اللواط في أُمّة قبل قوم لوط.
المثلية و«مجتمع الميم»
في القرن العشرين، كانت بداية شرارة ثورة الشذوذ الجنسي، تلك الثورة التي قادها الغرب، وحاول من خلالها تجاوز أي نظرة دينية لهذا السلوك، الذي يخالف الفطرة الإنسانية، ويجافي الشرائع السماوية.
تطور المصطلح أو تدثر تحت ستار «المثلية» في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، ليقال: «مثلي» للذكر، أو «مثلية» للأنثى، وكلاهما شاذ جنسياً، لكن المصطلح الجديد جاء لتخفيف وطأة الأمر على المتلقي، وتسهيل تمرير المصطلح إلى أوساط جديدة من المراهقين والشباب.
لم تتوقف حرب المصطلحات عند هذا الحد، بل عمل داعموها على ابتكار مصطلحات جديدة، تمثل غطاء لغوياً لأطياف أخرى من الشذوذ الجنسي، تشمل إلى جانب مثلي الجنس، مزدوجي التوجه الجنسي، والمتحولين جنسيًا، وثنائيي الجنس.
في التسعينيات من القرن الماضي، توارت قليلاً مصطلحات اللواط، والشذوذ، والمثلية، أو هكذا يراد؛ لتوفير مساحة أكبر من القبول المجتمعي لهذا السلوك الشاذ، وتخفيف حدة الرفض الإنساني والاجتماعي تجاهه، هنا ظهر مصطلح «مجتمع الميم» (LGBTIQ)، أو مجتمع «الإل جي بي تي»، ولاحقاً أضيف إليه الرمز «+»، ليكون كـ«مصطلح شامل» لمجتمع «الميم» يمثل مختلف التوجهات الجنسية الشاذة.
يقول المدير القانوني لمنظمة المساواة الأسترالية غسان قسيسية: إن مصطلح «LGBTIQ+» يمثل مختلف التوجهات الجنسية، والمعروفين أيضًا باسم «الأشخاص ثنائيو الجنس»، مشيراً إلى تزايد استخدام المصطلح مع مرور الوقت لإعطاء أهمية أكبر لبعض التنوع داخل مجتمعات «الميم»، على حد قوله.
إذابة الحصون
وفق المخطط الغربي، يُراد فرض هذا التوجه الشاذ على المجتمعات الرافضة له، بل وتجاوز الحصون الدينية والأخلاقية والاجتماعية، خاصة في المجتمعات العربية والإسلامية، وهو ما يتطلب أدوات جديدة، تمهد الأرض والعقل للقبول بالتطبيع مع الشذوذ الجنسي.
في الألفية الجديدة، وعبر الفن والسينما وكرة القدم ووسائل التواصل، وغيرها من وسائل وأدوات، يجري دس السم في العسل، من خلال لقطات خادشة للحياء، إعلانات مبتذلة، أفلام هابطة، أغانٍ إباحية، ألعاب إلكترونية، مباريات كروية يرفع لاعبوها شارة الشواذ على أكتافهم، المهم أن يتم تمرير الرسالة بصور وأشكال وألوان مختلفة، وعلى يد نجوم ومؤثرين ومشهورين، على غرار «بدلة الرقص» التي ظهر بها فنان عربي بمهرجان أمريكي الشهر الجاري.
التطبيع مع الشذوذ، إضافة إلى تمويله مالياً، وترويجه إعلامياً، يجري تحصينه حقوقياً من خلال منظمات حقوقية مشبوهة، تدرج الشذوذ ضمن حقوق الإنسان، ومنظمات دولية (الأمم المتحدة نموذجاً)، تطالب دول العالم بحماية حقوق المثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية، وإلغاء القوانين التي تعمل على التمييز ضدهم، بل تخصص يوم سنوي لدعمهم تحت عنوان «اليوم العالمي لمناهضة كراهية المثلية الجنسية»!
في 17 مايو 1990م، أعلنت منظمة الصحة العالمية حذف المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية، منهية بذلك أكثر من قرن من الزمان تم فيه اعتبارها حالة مرضية.
وفي عام 1999م، تم إطلاق علم المتحولين جنسياً، ويتألف من الألوان الزرقاء لتمثيل الذكور، والوردي لتمثيل الإناث، والأبيض لتمثيل ثنائيي الجنس أو ممن يعتبرون أنفسهم من جنس غير معروف.
“هو مو.. مثلي”.. حملة كويتية تؤكد الفطرة السليمة وترفض الشذوذ | مجلة المجتمع الكويتية
حرب ناعمة
واصل المطبعون الجدد حربهم الخبيثة، ليصل الأمر إلى سن القوانين لحماية الشواذ، وتشريع زواج الشواذ قانونياً، وتجريم من لا يعترف بحقوقهم، ليصل عدد الدول التي تعترف بزواج الشواذ إلى 30 دولة حول العالم.
بل إن بابا الفاتيكان الراحل فرنسيس أعطى موافقته رسمياً للقساوسة ورجال الدين على مباركة زواج الشواذ، بحسب الوثيقة الصادرة عن دائرة عقيدة الإيمان بالفاتيكان، أواخر العام 2023م.
تبقى حرب المصطلحات قائمة، ومستمرة، وشديدة الشراسة، ويجري خوضها دولياً، بأدوات الحرب الناعمة؛ للقبول بالتطبيع مع كل ما هو شاذ أخلاقيًا، ومناف للأديان السماوية، والفطرة الإنسانية.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
