كان يدرس معي صديق ملحد من دعاة الماركسية أيام مجدها وجاذبيتها وسحرها يحفظ قصائد درويش ونزار وأدونيس..بل كان شاعرا وله صوت حسن يردد أغاني مرسيل خليفة وغيره..وله إلمام جيد بثقافة العصر ومختلف الأفكار التي تعج بها تلك المرحلة…مع ذكاء وابتسامة ومرح وسهولة وانسيابية..وشخصية قوية جذابة..فكان يستعمل كل تلك الطاقات لخدمة فكرته في وضوح وشموخ..مع حكمة وتبصر..
يحاور بهدوء وعمق..فيؤثر في الكثير من جلاسه..
فكنت مستمعا جيدا لكل ما يقوله رغم يقيني التام بتهافت الماركسية.. وأنها فكرة ولدت ميتة ..صادمة للفطرة ومتناقضة مع الحقائق العلمية ..وإنما فرضت بالحديد والنار..
مقابل ذلك كان يستمع.. باحترام كبير.. لكل أفكاري ومطالعاتي..فيزيدني ذلك تقديرا له..
ومن الأشياء التي لا تعجبه في بعض أهل التدين أنه يحاورهم أثناء أوقات الصلاة ويفوت الوقت الاختياري ولا يفكر أحدهم أن ينهض لصلاته..فيرى أنهم غير مقتنعين بفكرة الصلاة ..وإنما تقليدا وشكلا..لا يقينا وحياة وجوهرا..فيزيده ذلك تمسكا بإلحاده وقناعة بفكرته..
وظل كذلك يسخر وظيفته وشعره وذكاءه كله لخدمة قناعاته..حتى رزقه الله توبة نصوحا ويقينا إيمانيا منيرا …
وصار من الأخيار الأبرار..
فمن هنا نعلم أن أصحاب الدعوات المنحرفة والأفكار الهدامة يعملون ليل نهار بحب وشغف لنصرة فكرتهم..
لهذا استعاذ عمر رضي الله عنه من عجز التقي وجلد الفاجر..
فبعض المتقين أهل ترهل وتردد وكسل..لا ينفقون من أوقاتهم وطاقاتهم إلا وهم كارهون..
وأهل الضلال ماضون في طريقهم في عزم وحزم..أن امشوا واصبروا…بل مكر الليل والنهار..وسنن الله لا تحابي أحدا..
لكن مقابل هذا لا زال الخير وافرا قويا عميقا..فمن قال هلك أهل الخير فهو أشدهم هلاكا..
فأهل الهمم القمم كثر ولله الحمد..
فالناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام.
مداني حديبي
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
