الفتن والملاحم عنوان شهير وعريض في نصوص الوحي من كتاب وسُنة، يتناول جانباً مهماً من الحياة الإسلامية بجميع مراحله المختلفة، وأهم مباحثه: مصائب وبلايا تحدث في دين المسلمين ودنياهم، وفي أماكن وأزمنة متباينة، كما يتناول بشائر بحفظ الدين وتمكينه، ومعارك بين الأمة الإسلامية وسائر أمم الأرض، وغير ذلك مما يشكل الملامح العامة لمستقبل هذا الدين ومصير أتباعه.
وقد كان سلفنا الصالح رضي الله عنهم يولون هذا النوع من الفتن والملاحم التي حدثهم عنها القرآن والسُّنة اهتماماً بالغاً رغم كون أكثرها متعلقاً بأخبار آخر الزمان، فعن أبي إدريس الخولاني قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني» (رواه البخاري)، فكأنه رضي الله عنه يشير إلى حقيقة شرعية مهمة، وهي أن من أسباب الوقوع في الفتن عدم فقه التعامل معها.
وعنه أيضاً: «كنا جلوساً عند عمر رضي الله عنه فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله، قال: إنك عليه -أو عليها- لجريء! قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي، قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها باباً مغلقاً، قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر، قال: إذاً لا يغلق أبداً..» (رواه البخاري).
وقد ألَّف بعض الأئمة كتباً خاصة بالفتن والملاحم كالإمام نعيم بن حماد (ت 229هـ)، والإمام أبي عمرو الداني (ت 444هـ)، وللإمام ابن كثير كتاب مهم بعنوان «النهاية في الفتن والملاحم».
وأما العلماء والدعاة والمفكرون المعاصرون فقد كتبوا عن الفتن والملاحم بلغة عصرهم وأسلوب زمانهم وقاموا بتحليل كبرى الأحداث والقضايا والتغيرات الاجتماعية والسياسية في ضوء ما درسوها من فقه الكتب والملاحم، فتحدثوا عن مستقبل الإسلام، وحاضر العالم الإسلامي، وأحداث نهاية العالم، بنفس إيماني غير بعيد عن منهج أسلافهم في الجوهر.
إن الأحداث الجارية في فلسطين وما حولها في هذا الزمان لا يمكن فهمها فهماً صحيحاً بمعزل عن فقه الفتن والملاحم، وذلك لأن فلسطين وما حولها من الأرض المباركة مسرح أهم أحداث الفتن والملاحم وكثير من علامات الساعة، مثل نزول عيسى ابن مريم، والدجال، والمهدي، وقتال المسلمين واليهود.. وغيرها.
وأما معركة «طوفان الأقصى» وما قبلها وما بعدها من معارك فهو داخل في هذا السياق بلا أدنى شك، فمن تأمل في تاريخ حركات المقاومة الإسلامية منذ تأسيسها إلى الآن، ورأى صور الصبر والتضحية والثبات، مع وضوح الفكرة والتجرد وسلامة المنهج؛ لرأى في أبطالها ورجالها صفات الطائفة المنصورة التي بشر بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو شيء كثير منها، فهم على قرب وشبه كبير بهؤلاء الرجال إن لم يكونوا هم، ولا نزكيهم على الله تعالى.
ومن رأى مواقف الخذلان البشعة من القريب والبعيد، التي تنبأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاهد الحصار والتجويع وغلق الحدود والمعابر، والعجز عن النصرة ولو بأضعف أنواعها الممكنة؛ لازداد إيماناً بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولربما تلا قوله تعالى: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (الأحزاب: 22).
وأما عن اللأواء والضيق والعنت الذي يصيب المجاهدين وحاضنتهم الشعبية وصبرهم الجميل، فحدّث عنه ولا حرج، ومنها ما نراه يومياً من استشهاد النساء والأطفال والعجزة ونقص الدواء والطعام، وإحراق الخيام والملاجئ وغيرها.. والله المستعان.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» (رواه البخاري)، وفي رواية عند أحمد في المسند: «لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك»، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس».
تلك سطور قليلة عن علاقة معركة «طوفان الأقصى» البطولية بفقه الفتن والملاحم، مع نتف يسيرة من الشواهد الواقعية من تاريخ المقاومة الإسلامية المباركة، وصور ناصعة من جهادهم المبارك وقهرهم لأعدائهم في ساحات القتال والنضال.
د. انجوغو امباكي صمب
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
