خطبة جمعة مقترحة من مجلة المجتمع بعنوان”الشيخ القطان.. مآثر وذكريات”
تقدمت مجلة المجتمع بمقترح لخطبة الجمعة غداً 27 مايو 2022م، تناولت فيها سيرة ومسيرة الشيخ أحمد القطان، بعنوان “الشيخ القطان.. مآثر وذكريات”.
وهذا تص الخطبة:
الحمد لله الذي تفرد بالبقاء، وكتب على عباده الفناء، جعل الدنيا دار امتحان وابتلاء، والآخرة دار نعيم أو شقاء بلا أمد ولا انتهاء.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، الهادي البشير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار، ما جن ليل وبزغ نهار، وسلَّم تسليماً كثيراً.
وبعد..
فاتقوا الله حق التقوى، والتزموا من الإسلام بالعروة الوثقى، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).
عباد الله..
قبل أيام، ودَّعت الكويت والأمة العربية والإسلامية أحد أعلامها، وأصدق دعاتها، ودّعت داعية تجاوز بدعوته حدود المكان والأوطان، وعُرف بحرقته وصدق لهجته مدافعاً عن قضايا الدين والإنسان، إنه ذاك الداعية المربي الشيخ أحمد القطان.
وإن الموت -يا عباد الله- سنة جارية على عباده، لا يفرق بين الضعفاء والأقوياء، ولم يسلم منه حتى الأنبياء، فالله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم في كتابه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ).
ولما كانت حادثة الموت مؤلمة ولها أثرها البالغ في النفوس، كان لا بد لها من وقفات وتأملات، نخفف من خلالها الحدث، وننشر البشرى، ونحثّ أنفسنا أولاً والناس جميعاً إلى ضرورة الاستفادة من حياة أولئك العظماء من أمثال الشيخ أحمد القطان.
عباد الله..
لطالما كان الله مجتبياً لدينه من يذود عنه وعن قضاياه بلسان الناصح الصادق الأمين، وهو أعلم من يصطفي لحمل رسالته من عباده الصالحين، ولا أدل على هذا مما حكاه الشيخ عن بداياته وقصة تحوله من الضلالة إلى الهدى، لينكبَّ بعدها على دراسة السيرة النبوية، ويتشرب قلبُه حبَ خير البرية، فيختار لنفسه أن يكون حامل رايته ومبلّغ رسالته، ولينطلق بهمة تناطح العلياء ليكون داعية حق، ولسان صدق ، فيُعرف بصدق لهجته وفصيح عبارته، وعالمية اهتمامه بقضايا دينه وأمته، فطار ذكرُه في العالمين حين اختار لمنبره أن يكون “منبر الدفاع عن مسرى النبي الأمين صلى الله عليه وسلم”.
وإن كل إنسان يكسب ذكرَه وشرفَه من شرف القضية التي يعيش من أجلها، ويموت في سبيلها، ويوم أن عاش الشيخ القطان كامل حياته مهتماً بقضايا المسلمين المظلومين، ورافعاً لواء الجهاد بالكلمة، والحث على تقديم كل أنواع الدعم للقدس ولرجالها المرابطين، حتى وهو قبل موته بلحظات يوصي أحبابه وكل المسلمين أن لا تطبيع مع بني صهيون الغاصبين، فقد رأينا ألسنة الصادقين ترتفع إليه بالدعوات الصادقات؛ أن يحشره الله في زمرة الدعاة الصادقين بصحبة سيد المرسلين.
عباد الله..
إننا إذ نستذكر ما كان للشيخ رحمه الله من خصائص وميزات فإنما نبث رسالةً لكل مسلم ارتضى الإسلام دينا مفادها: أن شرفك في هذه الحياة أن تعيش لرسالة تسعد بها في الحياة وبعد الممات، وأن أفضل ما تضعه في تصورك كمسلم يحدد غايته ويعرف وجهته أن تعلم أن عز كل مسلم في حياته أن يكون داعياً إلى الله في ميدانه قدر استطاعته، فلقد صدق الله عز وجل حين قال في أحسن مقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]، ولتستذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» (رواه الإمام مسلم في صحيحه).
إن كل وطن ليطير في الدنيا ذكره بظهور المتميزين من أبنائه الذين يعيشون على أرضه وتحت سمائه، والحمد لله على أن كانت الكويت حاضرة في المشهد الإسلامي والعربي بأبنائها النابهين، ودعاتها الصادقين، وأهلها الخيرين، فلئن عرفت الدنيا عبدالرحمن السميط رائداً في عمل البر والإحسان، فقد عرفت الدنيا كذلك القطان خطيباً مصقعاً ذا فصاحة وبيان، لطالما تربى على أشرطته في بلادنا العربية كل محب للدين، واقتدى بأسلوبه وبفنون خطابته وبراعة أدائه خطباء كثيرون، فغدت الكويت إذا ذُكرت يُذكر خطيبها القطان، وإذا ذُكر خيرها جاؤوا على السميط وغيره من آل البر والإحسان.
إن هذه النماذج المشرقة التي تدل على أصالة معدن هذا الشعب وحبه لعمل الخير وللقدس وللأقصى قضية المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لتدل على ارتباط هذه الأرض الطيبة بمحيطها العربي والإسلامي، وحملها لهم قضاياه، وتدعونا إلى مواصلة طريق الحق والخير، وأن نثبت على المبدأ حتى لو تزلزل الناس، فالله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
إن أبناء الكويت ليستذكرون للشيخ قوة حجته، وصدق محبته، حين استطاع ببراعته أن يقف في الجزائر مدافعاً عن أبناء شعبه، مظهراً عبث البعثيين، وبطش الغزاة المحتلين، فأبان بثبات قلبه وقوة حماسته ما اختلط على الناس، وأكسب بلاده حب المسلمين، ورد عنها شبه الحاقدين.
إن الحديث عن القطان لا يقتصر على ذلك الداعية الصادق والخطيب البارع، بل يمتد إلى إنسان كان الحس التربوي حاضراً في مقاماته وأحواله، فهو الذي قضى من عمره سنوات معلماً ومربياً للأجيال، يهتم بأمرهم وينقي في أفكارهم، ويعمل على تزكية قلوبهم، وغرس حب الدين في نفوسهم، حتى تأثر به من أبناء أمته عدد غير قليل، واختير بحق أفضل معلم للجيل.
ولما كانت الدعوة في حدسه ليست مهنة يبتغي عليها الأجر الدنيوي، ولكنها رسالة ينتظر بها الرفعة في المقام الأخروي، فإنه بعد تقاعده لم يتوانَ أن يكمل مسيرته الدعوية والتربوية، ففي كل ميدان كانت بصماته واضحة مستمرة، فها هو يواصل اللقاء بأبنائه الطلبة المغتربين كمستشار لهم منذ عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين، فيشاركهم في مؤتمراتهم وملتقياتهم السنوية؛ سواء في الاتحاد الوطني لطلبة الكويت أو رابطة الشباب العربي المسلم، متبنياً جميع قضايا المسلمين حتى عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين.
إنه كما قيل في جميل الحكم: من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من مِنن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة، فإن من البركة التي لحقت بالشيخ كثرة ميادينه واهتماماته، فلم يقتصر الشيخ على جعل منبره وسيلة للدفاع عن الأقصى، بل اتسمت دعوته بالشمولية؛ فهو يهتم بالأسرة المسلمة التي هي لبنة المجتمع القوي، فيتناولها بخطبه ومحاضراته في سلسلة اللمسات المؤمنة للأسرة المسلمة، ويولي أهمية تربية النشء الصالح، وتهيئة الأنام بسلسلة “تربية الأولاد في الإسلام”، ويخاف على أبناء أمته من ثقافة التغريب؛ فيحذرهم في سلسلة “العفن الفني عن مخالفة كل ما هو ثابت ديني”، وغيرها من ميادين عدة في توجيه الشباب وإعداد الفاتحين لتصل أصداء كلماته إلى الملايين في بلاد المسلمين.
ولا تنسى المرأة المسلمة في بداية شهود الصحوة الإسلامية عناية الشيخ بها وهو يهتف في أذنها يحذرها من تبرج الجاهلية، وينادي فيها بلباس العفاف والتجمل بخلق الحياء لتعيش عيشة السعداء، ولتكون أماً مربية للأجيال، وصانعةً للأبطال، وتحقق قول نبيها عليه الصلاة والسلام: “والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها”.
ولئن عرف المنبر القطان أسداً يزأر بكلمته مهيباً بشجاعته وقوة كلمته، فلقد عرفه القريبون منه بتواضعه وصدق محبته، فهو قريب من الضعفاء أقرب من الأقوياء، إنه الشيخ السمح في تواضعه الذي يخرج من صلاة الفجر حاملاً لأغلى أنواع الطيب، يمسحه بابتسامته الصادقة على جبين عمال النظافة الذين يطوفون الشوارع وقد أغرقهم عرق العمل فيرون فيه أخلاق الإسلام، ويُقبلون عليه بالمحبة والوئام، ولا أدل على سماحة نفسه من تلك الكلمات التي استمع إليها الناس من على فراش مرضه وهو يطل على محبيه بالدعوات الخالصات بابتسامة تعبر عن الرضا بقضاء الله عز وجل، سائلاً الله تعالى لهم بروح الإسلام التي سكنت في قلبه وعلى لسانه أن يمن عليهم بالخير ليفيضوا بالخير على إخوانهم المسلمين، وأن يتحقق في قلوبهم الرضا عن رب العالمين .
الخطبة الثانية
عباد الله..
انتقل الشيخ إلى جوار ربه، ونسأل الله تعالى أن يكون ثواب دعوته إلى الله تعالى موصولاً له في قبره من خلال إرثه الدعوي الذي تركه في كتبه ومحاضراته كما جاء في الحديث النبوي، ففي الحديث: “إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ “[صحيح مسلم].
إن السعيد في هذه الحياة من خلد ذكراه بعمل صالح يذكر به بعد موته، فلئن رحل الشيخ القطان جسداً فقد بقي أثراً، شعر به الجميع من دعوات صادقة، فقد نعته ألسنة المحبين في كل بلاد المسلمين، وأسرعت هيئات علماء المسلمين في نعيه والحديث عن آثاره وخدمته لهذا الدين.
وإنّ ما وجدناه من هذا الثناء ليذكر صاحب كل قلم أو لسان يتابعه الناس أن يكون من أهل الخير الداعين إليه، وأن يكون من أهل الحق المناصرين له، وأن يكون من أهل الوحدة العاملين لها، ليجد من الله تعالى حسن الجزاء، ويخلد مسيرته بالسيرة الحسنة والثناء.
عباد الله..
إن من حق أبناء هذا الشعب المبارك أن يفتخروا بشيخهم ويخلّدوا ذكراه في العالمين من خلال دعم المشاريع التي تتبنى الحفاظ على إرثه الدعوي، فقد أطلقت نماء الخيرية دعوتها لمحبي الشيخ بالمشاركة في إكمال إطلاق وقفية الشيخ أحمد القطان لعموم الخير ودعم المسجد الأقصى التي يصرف من ريعها على رعاية المسجد الأقصى، ودعم قضيته والمساهمة في صيانته، وترميمه، وإطلاق موقع متميز يحفظ ما للشيخ من إصدارات علمية ومرئية لتظل شاهداً على آثار أبناء هذا الشعب المتميز بعطاءاته في خدمة الإنسانية.
فنسأل الله تعالى أن يتغمد الشيخ بواسع رحماته، وأن يُبقي في هذا الوطن الغالي روح الدعوة بين أبنائه وبناته، وأن يخلف الكويت خيراً في دعاتها الصادقين وأعلامها المتميزين لتظل منارة ساطعة بأبنائها في خدمة هذا الدين.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
