«كنتُ أجلس أمام بيتي في وسط مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وفجأة سقطت قذيفة لا تبعد عني إلا بعض الأمتار وكادت شظاياها التي تناثرت في المكان أن تصيبني، وبذلك نجوت من موت محتم»، هكذا يسرد المواطن محمد خليل الحدث الذي وقع قبل شهر، وتفاصيل ما يعيشه سكان المخيم من قصف «إسرائيلي» متكرر.
دمار كلي
المواطن خليل (50 عامًا)، الأب لـ7 أفراد، يقول لـ«المجتمع»: إن هذه الحادثة لم تكن الأولى منذ أن بنى جيش الاحتلال مواقع عسكرية وتلالاً رملية عالية ممتدة على أطراف المخيم في المنطقة الواقعة تحت سيطرته أو ما يُعرف بوراء «الخط الأصفر»، حيث يدمر ويقصف ويقنص، ما يوقع شهداء وإصابات.
ورغم ابتعاده عن الخط الأصفر بأكثر من 300 متر تقريبًا، فإن عائلة المواطن التي تسكن قسرًا في بيتها الذي تعرض للقصف في بداية حرب الإبادة الجماعية ينتابها القلق والخوف على مدار الوقت نتيجة وصول طلقات وشظايا بالقرب منهم، كما يضيف خليل.
ولعل ما يقلق المواطن وعائلته، التي نزحت خلال الحرب مرات عدة، انهيار جدران المنزل كافة جراء الضربة، حيث قام الأب عند عودته إلى المنطقة بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في سبتمبر 2025م، بوضع شوادر من النايلون عوضًا عن ذلك.
ويروي أن أحد جنود الاحتلال المتركزين فوق التلة المقامة في تل الزعتر شرق المخيم أطلق الرصاص بكثافة قبل أيام، وإحداها اخترقت الشوادر ونجت العائلة بأعجوبة من إصابة أحد أفرادها.
وتبلغ مساحة مخيم جباليا نحو 1.4 كيلومتر، ويقطنه 100 ألف نسمة، بحسب إحصائية الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادرة عام 2023م، وتعرض خلال فترة الحرب في السابع من أكتوبر 2023م، لـ3 اجتياحات برية كان أعنفها الاجتياح الثالث في مطلع أكتوبر 2024م، عقب إطلاق «خطة الجنرالات» واستمرت 100 يوم.
وارتكب جيش الاحتلال خلالها أبشع أنواع الجرائم الإنسانية بحق سكانه، راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين، بينما لا تزال مئات الجثث أسفل المنازل المدمرة ولم يتم انتشالها حتى اللحظة، بسبب عدم وجود المعدات الهندسية اللازمة لدى الجهات المختصة بالقطاع للقيام بذلك.
وأظهرت لقطات لصور التقطت من الأقمار الاصطناعية، أن نسبة الدمار في مخيم جباليا وتحده من الشمال بلدتا بيت لاهيا وبيت حانون ومن الجنوب جباليا البلد وحي التفاح، بلغت 100%، وبهذا يكون الاحتلال قد عدم الحياة فيه.
ومع حلول ساعات المساء، يتحول المخيم الذي اختفت ملامحة بعد التدمير والنسف إلى منطقة أشباح؛ حيث يسود الخوف الشديد بين النازحين والسكان من التجول والتنقل ليلاً، خشية من القصف والطلقات الطائشة القاتلة، كما يشير المواطن خليل.
وتضع عمليات السيطرة على مساحات واسعة من المخيم إلى جانب انعدام مقومات الحياة فيه عائقاً كبيرًا أمام عودة العائلات النازحة حالياً في مناطق الجنوب والوسط من العودة إلى منازلهم، ويقول خليل: إن الأمر مرتبط بانسحاب الجيش وتقديم الدعم الإنساني الطارئ للأهالي من المؤسسات الدولية والمحلية.
خطر مستمر
وهذا الأمر انعكس أيضًا على عائلة المواطن علي سعيد، الأب لـ4 أطفال الذي اضطر أخيرًا إلى النزوح مجددًا إلى غرب مدينة غزة باعتبارها أكثر أمانًا، بعد أن نصب خيمته في وسط المخيم.
سعيد يقول، في حديث لـ«المجتمع»: إن السيطرة النارية لجيش الاحتلال على مخيم جباليا أجبرني على ترك الحي الذي أقطن فيه، علمًا أن جيش الاحتلال دمر البنية التحتية وسوَّى جميع المنازل فيه بالأرض بعد تفجيرها.
ويشير إلى أن طائرة مسيرة من طراز «كواد كابتر» حلَّقت بعد الهدنة فوق المكان الذي كان متواجداً فيه بجباليا وألقت قنبلة، وأدت لإصابة مواطن، ويوضح أن الوضع الأمني داخل المخيم ما زال خطيرًا، في ظل القصف ونسف ما تبقى من المنازل، وهي دلائل واضحة على نية الاحتلال لعدم رجوع السكان وعودة الحياة من جديد.
وخروقات الاحتلال لاتفاق وقف الحرب، خلال الأسابيع الماضية، أدت لوقوع ضحايا وإصابات بين المواطنين منهم أطفال ونساء في قلب مخيم جباليا، رغم ابتعادهم عن الشريط الأصفر بمئات الأمتار.
وعلى امتداد الخط الأصفر في القطاع، يمنع جيش الاحتلال المواطنين من الاقتراب منه حتى مئات الأمتار، كما يواصل خروقاته الميدانية ضد السكان، باستمرار القصف الجوي والمدفعي وإطلاق النار من الآليات والرافعات تجاه المواطنين وخيامهم، وهذه الخروقات تمتد إلى المناطق الغربية في بعض الأحيان.
مؤسسة «Forensic Architecture» البريطانية كشفت مؤخرًا عن أن جيش الاحتلال حوّل الخط الأصفر داخل القطاع إلى حدود مادية فعلية عبر إنشاء سواتر ترابية وبنى تحتية عسـكرية، تفصل الفلسطينيين المحاصرين في النصف الغربي عن المناطق الواقعة تحت السيطرة العسكرية في أكثر من 53% من مساحة القطاع.
وفي أحدث إحصائية صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية-غزة، فقد بلغ إجمالي تعداد الشهداء إلى 486، وإصابة 1341، وجرى انتشال 714 جثة من الشوارع وأسفل الركام، منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي بواسطة دولية.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
