من شارع إلى آخر في قلب مدينة غزة وشمالها المدمر، وبين أصوات القصف وصفارات الإسعاف، كان الصحفي أنس جمال الشريف، مراسل شبكة الجزيرة، يطل على الشاشة محاطًا بالغبار والدخان، ممسكًا بميكروفونه كما لو كان درعًا أخيرًا يحمي الحقيقة.
لم تمنعه التهديدات الإسرائيلية العلنية ولا حملات التحريض من أن يقف في الصفوف الأولى، ناقلًا مأساة شعبه لحظة بلحظة، حتى كتب وصيته الأخيرة قبل أن يغتاله الاحتلال مع 5 من زملائه.
واستشهد الشريف مساء الأحد 10 أغسطس، باستهداف إسرائيلي لخيمة كان يتواجد فيها صحفيون قرب بوابة مجمع الشفاء، من بينهم مراسلا قناة الجزيرة أنس الشريف ومحمد قريقع، إضافة إلى المصورين في القناة إبراهيم ظاهر ومؤمن عليوة، وسائق الطاقم محمد نوفل، إضافة إلى إصابة الصحفي محمد صبح، وفق وكالة الأنباء الفلسطينية وفا.
على مدار نحو 20 شهرًا منذ بداية عمله في الجزيرة في نهاية نوفمبر 2023، أطل أنس على شاشة الجزيرة ليروي مأساة شعبه التي تواجه أكبر إبادة جماعية، موثقًا العشرات من المجازر الوحشية وواقع المجاعة في القطاع المحاصر.
اغتيال معلن بعد حملة تحريض
بكل وقاحة أعلن جيش الاحتلال في بيان باستهداف أنس، متهما إياه أنه يعمل على تغطية أخبار حماس والجهاد الإسلامي، ضمن اتهامات رفضتها شبكة الجزيرة ووصفتها بأنها “تحريض ممنهج لتبرير جريمة اغتيال”.
وأكدت في بيانها أن اغتيال فريقها “هجوم سافر ومتعمد على حرية الصحافة، ومحاولة يائسة لإسكات الأصوات قبل اجتياح غزة”.
لم يكن هذا الاستهداف وليد اللحظة. منذ أغسطس/آب 2024، شن المتحدث باسم جيش الاحتلال أفخاي أدرعي حملة اتهامات مباشرة ضد الشريف، وصلت في يوليو/تموز 2025 إلى وصفه بأنه “أحد ستة صحفيين تابعين لحماس أو الجهاد الإسلامي”. الشريف رد حينها قائلاً: “لن أصمت. لن أتوقف. صوتي سيبقى شاهداً على كل جريمة”.
هذه التحذيرات والتهديدات دفعت لجنة حماية الصحفيين في أواخر يوليو 2025 إلى إصدار بيان طالبت فيه بضمان سلامته، مؤكدة أن التحريض العلني عليه “يرفع خطر استهدافه”.
وفي تعليقها على اغتيال الشريف، قالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة أيرين خان: إن جيش الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى “قتل الحقيقة” بإسكات كل صوت يروي ما يجري في قطاع غزة، مؤكدة أن مراسل الجزيرة أنس الشريف كان “صحفيا شجاعا” واصل عمله رغم التهديد المباشر لحياته.
وأعربت خان، عن حزن عميق لاستشهاد الشريف وزميله مراسل الجزيرة محمد قريقع، مؤكدة أن الصحفيين في قطاع غزة يدفعون حياتهم ثمنا لإبقاء العالم على اطلاع على الفظائع التي يرتكبها الاحتلال، مضيفة أن تحذيراتها السابقة لم تردع الجيش الإسرائيلي عن المضي في استهدافه المباشر للصحفيين، “فهم لا يعرفون الشرف”، وفق تصريحاتها للجزيرة.
الصحفي الشاب، الذي لمع اسمه لتغطيته الاستثنائية الشجاعة خلال حرب الإبادة، وإعلانه استمراره في التغطية رغم التهديدات وحملة التحريض الإسرائيلية التي لم تتوقف حتى بعد قتل والده في قصف منزله، كان يدرك أن نتيجة مساره الشهادة، ومع ذلك رفض مقترحات الخروج من غزة، وكتب وصيته وقال إنه لن يخرج من غزة إلا إلى الجنة.
وصية أنس الشريف
ليلة الأحد السادس من إبريل/نيسان 2025، كتب أنس وصيته التي كشف النقاب عنها عقب اغتياله وجاء فيها: “هذه وصيتي ورسالتي الأخيرة، إن وصلَتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي… عشتُ الألم بكل تفاصيله، وذُقت الوجع والفقد مراراً، ورغم ذلك لم أتوانَ يوماً عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف”.
قبل استهدافه ظهر في تغطيته الأخيرة من غزة قائلاً: “قصف لا يتوقف، منذ ساعتين والعدوان الإسرائيلي يشتد على مدينة غزة”. لم تمضِ لحظات حتى استهدفت خيمة الصحفيين التي كان يعمل منها، ليرتقي شهيدًا مع زملائه محمد قريقع والمصورين إبراهيم ظاهر ومحمد نوفل.
أيقونة الحقيقة
عضو المكتب السياسي لحركة حماس، عزت الرشق، نشر تدوينة مؤثرة نعى فيها الشهيد أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة، وزملاءه محمد قريقع، وإبراهيم ظاهر، ومؤمن عليوة، ومحمد نوفل، الذين ارتقوا خلال تغطيتهم الميدانية لعدوان الاحتلال على قطاع غزة.
ووصف الرشق الشهيد الشريف بأنه “أيقونة الحقيقة وشاهد المجاعة في غزة”، مشيدًا بدوره في نقل المعاناة ووحشية الاحتلال الإسرائيلي بالصوت والصورة، وأداء أمانة الكلمة التي كانت سببًا في استهدافهم واغتيالهم.
وأكد أن الحركة الصحفية الفلسطينية كانت ولا تزال في طليعة النضال الفلسطيني، مستذكراً أسماء لامعة مثل غسان كنفاني، وكمال عدوان، وشيرين أبو عاقلة وغيرهم ممن دفعوا حياتهم ثمناً لنقل صوت فلسطين إلى العالم.
وقال الرشق: “سنفتقد صوت أنس الشريف وتغطيته الصحفية، ولكن اسمه وذكراه ستبقى حاضرة بقوة في مواجهة عدو الإنسانية والحقيقة حتى تحرير المسجد الأقصى”.
من هو؟
ولد أنس الشريف في عام 1996 في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، ويُعد من أبرز المراسلين الميدانيين لشبكة الجزيرة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وظهر الشريف بشكل متكرر في بثوث مباشرة من مناطق قريبة من مواقع القصف أو خطوط التماس، ناقلاً مشاهد ميدانية مباشرة.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2023 فقد والده، جمال الشريف (65 عاماً)، في قصف إسرائيلي استهدف منزل العائلة، وواصل بعدها عمله الصحفي.
وغطّى الشريف حوادث استهداف زملائه، وبينهم إسماعيل الغول ورامي الريفي اللذان استشهدا في غارة على مخيم الشاطئ عام 2024.
والشريف متزوج ولديه طفل وطفلة. وشارك في يناير/كانون الثاني الماضي صورة بثتها زوجته، تجمعه بطفليه عبر حسابه الموثق على منصة انستغرام.
المركز الفلسطيني للإعلام
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
