وُلد زُهران ممداني في العاصمة الأوغندية كامبالا عام 1993م، لأسرة مثقفة تنحدر أصولها من اليمن وجنوب آسيا (الهند)، حيث ينتسب والداه إلى النخبة الأكاديمية والفنية؛ فأبوه محمود ممداني مؤرخ مرموق متخصص في الدراسات الأفريقية، ويعمل أستاذاً في جامعة كولومبيا، بينما أمه ميرا ناير تُعدّ من أبرز المخرجات السينمائيات على المستوى العالمي، وقد تخرّج كلاهما من جامعة هارفارد.
في سن السابعة، انتقل زهران مع عائلته إلى جنوب أفريقيا، ثم استقر بهم المقام في حي بروكلين بمدينة نيويورك، حيث تلقى تعليمه الأولي والثانوي، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الدراسات الأفريقية من كلية بودوين عام 2014م.
زوجته راما دواجي، فنانة سورية تبلغ من العمر 27 عامًا وتقيم في بروكلين، ويبلغ زهران الآن 33 عامًا.
مساره السياسي
تميز مسار ممداني المهني بتنوعٍ لافت بين الفنون والنشاط السياسي، حيث عمل في مجالات السينما والموسيقى (الراب) والكتابة، إلى جانب عمله كمستشار في قطاع الإسكان الاجتماعي، كما انخرط مبكرًا في الحركات المناهضة للحرب والمدافعة عن حقوق المستأجرين؛ ما أهّله ليكون صوتًا بارزًا في الحراك الاجتماعي اليساري.
في عام 2017م، انضم إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي الأمريكي (DSA)، الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، الذي يضم شخصيات سياسية مؤثرة مثل السيناتور بيرني ساندرز، والنائبة ألكسندريا أوكازيو كورتيز، وبعد حصوله على الجنسية الأمريكية عام 2018م، بدأ صعوده السياسي بشكلٍ جاد، حيث انتُخب عام 2020م عضوًا في الجمعية التشريعية لولاية نيويورك عن الدائرة (36)، التي تضم منطقتي أستوريا ولونغ آيلند سيتي في كوينز، وبقي في المنصب حتى عام 2024م.
كان واحدًا من 9 مرشحين لخوض انتخابات رئاسة بلدية نيويورك، وفي الانتخابات التمهيدية التي جرت يوم الثلاثاء 24 يونيو 2025م، حقق انتصارًا لافتًا بحصوله على 43% من الأصوات، متصدرًا بذلك المنافسة ومُرسيًا نفسه كواحد من أبرز الوجوه السياسية الصاعدة في المشهد الديمقراطي الأمريكي.
الهوية الإسلامية.. سابقة تاريخية في المشهد السياسي الأمريكي
يُعدّ ممداني سابقة فريدة في التاريخ السياسي الأمريكي، بوصفه أول مسلم يُرشح لرئاسة بلدية نيويورك، وقد حظي بدعمٍ واسعٍ من الجماعات اليسارية، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الاشتراكي (DSA)، بالإضافة إلى منظمات إسلامية بارزة مثل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR)، فضلًا عن قاعدة شعبية من نشطاء الشباب.
لم يتردد ممداني في جعل هويته الإسلامية جزءًا أساسًا من خطابه السياسي، حيث حرص على زيارة المساجد بانتظام خلال حملته الانتخابية، مؤكدًا أهمية التمثيل العلني للمسلمين في الحياة العامة، وفي تجمّعٍ انتخابيٍّ الربيع الماضي، صرّح قائلًا: «ندرك أن الظهور علنًا كمسلمين يعني أيضًا التضحية بالأمان الذي نتمتع به ونحن في الخفاء»؛ في إشارةٍ إلى التحديات التي يواجهها المسلمون في المجال السياسي.
ولتعزيز رسالته الاجتماعية، ارتبطت حملته بعددٍ من المبادرات العملية التي لاقت صدىً واسعًا، مثل تناوله وجبة بوريتو كإفطار في أحد أيام رمضان على متن قطار الأنفاق، في خطوةٍ رمزيةٍ لتسليط الضوء على أزمة انعدام الأمن الغذائي.
إن هذا الحضور العلني لم يخلُ من التحديات، حيث أفاد ممداني بتلقيه تهديدات معادية للإسلام بشكلٍ يومي، بعضها استهدف عائلته مباشرة، وقد فتحت السلطات الأمنية تحقيقاتٍ في بعض هذه الحوادث على خلفية جرائم الكراهية.
ومع ذلك، يظل ممداني واحدًا من أكثر الشخصيات السياسية إثارةً للجدل في المشهد الحضري الأمريكي، حيث يجسد تقاطعًا فريدًا بين الهوية الدينية والنضال السياسي من أجل قضايا العدالة الاجتماعية.
فلسطين.. التزام طويل بالنضال من أجل العدالة
يعود نشاط ممداني المؤيد لفلسطين إلى أيام دراسته في كلية بودوين، حيث كان عضوًا مؤسسًا لفرع كليته ضمن منظمة «طلاب من أجل العدالة في فلسطين»، كما شارك لاحقًا في الحملة الانتخابية الفاشلة للقس خضر اليتيم، المرشح الفلسطيني-الأمريكي ذي التوجهات الاشتراكية الديمقراطية لمجلس مدينة نيويورك عن بروكلين.
ومع صعوده السياسي، أصبح ممداني أحد أبرز الأصوات المؤيدة لحقوق الفلسطينيين في نيويورك.
في عام 2021م، كان من بين قلةٍ من المشرعين الذين دعوا إلى وقف تمويل أجهزة الشرطة المتعاونة مع جيش الكيان الصهيوني، كما شارك في فعاليات مناصرة لفلسطين وصوّت ضد تشريعاتٍ تهدف إلى تقييد حرية التعبير الداعمة لحركة المقاطعة.
وفي أعقاب الحرب على غزة 2021م، دعا إلى وقف غير مشروط للعنف «الإسرائيلي» ضد المدنيين الفلسطينيين، معتبرًا أن العدالة لا يمكن أن تتحقق في نيويورك في وقت نغض فيه الطرف عن الظلم في فلسطين.
انتصار انتخابي بارز في معقل يهودي
خلال فعاليات التصويت المبكر بين 14 و22 يونيو 2025م، حقق ممداني انتصاراً لافتاً للانتباه على منافسه أندرو كومو، حاكم نيويورك السابق، ابن العائلة السياسية البارزة، الذي يصف نفسه بأنه مؤيد قوي لـ«إسرائيل» ويفتخر بذلك.
جاء هذا الانتصار في مدينة يشكل الناخبون اليهود ما نسبته 16% من سكانها؛ ما أبرز قدرة ممداني على تجاوز الانقسامات التقليدية في السياسة الأمريكية.
وأعلن ممداني في حملته الانتخابية عن سياسة خارجية متشددة تجاه الكيان الصهيوني، حيث تعهد بـ:
– سحب استثمارات صناديق معاشات مدينة نيويورك من الشركات الداعمة للمستوطنات «الإسرائيلية».
– الضغط لفرض عقوبات على شركات مثل «إلبيت سيستمز» (Elbit Systems) المصنعة للأسلحة «الإسرائيلية».
– رفع العلم الفلسطيني على مبنى بلدية نيويورك إحياءً لذكرى «النكبة».
– اعتماد يوم «النكبة» يوماً رسمياً في التقويم الرسمي للمدينة.
تشريعات جذرية لصالح فلسطين وردود فعل مثيرة
تجاوزت مواقف ممداني الخط الأحمر التقليدي للحزب الديمقراطي، حيث:
– قدم مشروع قانون لإلغاء الإعفاءات الضريبية للمنظمات الخيرية الداعمة للمستوطنات «الإسرائيلية» التي تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان.
– وصَف سياسات الكيان الصهيوني في غزة بأنها «إبادة جماعية»، واتهمها بأنها دولة فصل عنصري، ودعا إلى اعتقال رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.
– قدم تعهدات انتخابية بمكافحة جرائم الكراهية وزيادة تمويل برامج الحماية للمجتمعات المهددة، بما في ذلك اليهود المعادين للصهيونية.
– أعلن دعمه الصريح لحركة المقاطعة، ووصفها كأداة سلمية للضغط.
– تعهد باعتقال نتنياهو في حال زيارته لنيويورك، في حديثه بكنيس بني جيشورون في مانهاتن.
وكانت ردود فعل متباينة بتداعياتها السياسية، فقد:
– تلقى إشادة واسعة ودعمًا جماهيريًا كبيرًا من الناخبين المسلمين والتقدميين والناشطين المؤيدين لفلسطين، حيث علق المستشار السياسي بيتر فيلد قائلاً: فوز ممداني أثبت أن الترهيب بالصهيونية لم يعد مجدياً في الحزب الديمقراطي، بل ذهب إلى حد القول: إن الصهيونية ماتت في الحزب الديمقراطي.
– أثارت تصريحاته انتقاداتٍ وهجومًا متزايدًا من اللوبيات المؤيدة للكيان الصهيوني، مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية «الإسرائيلية» (AIPAC)، ورابطة مكافحة التشهير (ADL)، التي اتهمته بـ«معاداة السامية»، ودعم حركة المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات (BDS) .
– تعرض لضغوط إعلامية ليعدل موقفه من حق الكيان الصهيوني في الوجود كدولة يهودية، فأجاب: «لا أؤيد أي دولة تميز بين مواطنيها على أساس الدين»، مؤكداً، في مقابلة مع برنامج «ذا لَيت شو»، حق «إسرائيل» في الوجود كأي دولة أخرى، شريطة التزامها بالقانون الدولي.
– تلقى هجمات عنيفة من جهة الرئيس دونالد ترمب.
في التداعيات المستقبلية، يطرح هذا الفوز أسئلة جوهرية حول مستقبل اللوبي الصهيوني في أمريكا، وحدود القبول المجتمعي للخطاب الناقد للكيان الصهيوني، وإمكانية انتقال هذه الموجة إلى دوائر سياسية أوسع، وهذا ما قد يُعيد تشكيل التحالفات داخل الحزب الديمقراطي ويُحدد ملامح السياسة الخارجية الأمريكية في السنوات المقبلة.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
