تتردد في أروقة الكثير من البيوت المسلمة اليوم تساؤلات قلقة حول سلطة الأبناء في اتخاذ قراراتهم: أين تنتهي؟ وأين تبدأ سلطة الوالدين؟ وهل للأبناء صلاحية مطلقة في تقرير مصيرهم، أم أن حدود القرار ينبغي أن تبقى مرهونة بإرادة الوالدين وتوجيهاتهم؟
في زمن تغيّر فيه كل شيء، من طريقة التفكير إلى أدوات التأثير، بات هذا السؤال أكثر إلحاحًا، خاصة في ظل تصاعد النزعة الاستقلالية لدى الأبناء، والانفتاح على فضاءات فكرية وثقافية لا تعرف حدود الأسرة أو مرجعية المجتمع.
في هذا السياق، لا بد أن نستحضر الفهم الشرعي الدقيق لطبيعة العلاقة بين الآباء وأبنائهم، لا كصراع إرادات، بل كمسؤوليات متبادلة، فالآية الكريمة: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) (الإسراء: 23)، وضعت الوالدين في مقام عظيم، لكن الإحسان لا يعني الاستعباد، والإرشاد لا يساوي المصادرة، والشريعة حين حمّلت الأبناء مسؤولية أعمالهم منذ سن التكليف، أرادت أن تبني فيهم شخصية راشدة قادرة على اتخاذ القرار، لا أن تبقيهم أسرى لأوامر لا خيار لهم فيها، فالمسؤولية تقتضي النصح، لا القهر، والتوجيه، لا الهيمنة، هنا تنتهي سلطة الوالدين باعتبارها سلطة إلزام، وتبدأ باعتبارها سلطة رحمة ومشورة وتربية مستمرة.
لكن كيف ندير هذا الانتقال داخل الأسرة المسلمة؟ أمامنا جيل مختلف، جيل يرى الحرية حقًا فطريًا، لا منحةً تعطى من الآباء، جيل اعتاد أن يسأل لماذا، قبل أن يفعل، جيل يرى في الإنترنت مرجعًا أكثر من أبيه، وفي «المؤثرين» مصدر إلهام أكثر من معلمه أو شيخ مسجده، هنا لا تجدي العصا، ولا تنفع الأوامر المباشرة، الأسرة المسلمة مطالبة اليوم بأن تنتقل من مركز السلطة إلى مركز الحكمة، أن تتحول من سلطة أوامر إلى مؤسسة شورى، وهذا ليس غريبًا على قيمنا، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي، خاطبه ربه بقوله: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران: 159)، أفلا نشاور أبناءنا وهم شركاؤنا في بناء الحاضر والمستقبل؟!
إننا لا نطالب الآباء بالتخلي عن أدوارهم، بل نطالبهم أن يتحولوا من قادة ميدانيين إلى مستشارين حكماء، هذه هي التربية النبوية التي بنت جيلاً قاد العالم، الأبناء لا ينضجون تحت القهر، بل تحت ظلال الثقة والتجربة، والحق لا يُغرس بالتلقين، بل بالحوار، حين نؤسس في بيوتنا نموذجًا للحوار والشورى، سنحصد جيلاً يشعر أن القرار مسؤوليته، لا عبء يتخلص منه بإلقائه على غيره، وهذا هو الرشد الذي أرادته الشريعة، أن ينضج الإنسان في قراراته، لا أن يورث طاعة عمياء أو تمرّدًا فوضويًا.
مقاصد الشريعة هنا حاضرة بقوة، فحفظ العقل، وإعلاء الكرامة، وتعزيز الحرية المقيدة بالمسؤولية، كلها معانٍ تهدي إلى نمط جديد من التربية، يعترف باستقلال الإنسان منذ بلوغه، لكنه لا يتركه وحيدًا في مهب القرارات، الشريعة نفسها علمتنا كيف نتدرج في تحميل الأبناء المسؤوليات، كما في الحديث الشريف: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر»، فجعل للأمر مراتب، وللتدرج موقعًا، وللتربية مراحل لا تقفز فيها الأحكام.
في هذا الزمن، لا يكفي أن نكون آباءً صالحين، بل يجب أن نكون مربين حكماء، ورفقاء نمو، وصنّاع قادة، نحن لا نربّي أبناء ليكونوا مثلنا، بل لنكون فخورين بهم وهم أفضل منا، حين نمنح أبناءنا حق الاختيار، نمنحهم في الحقيقة مفتاح النضج، لا رخصة العصيان، ولكننا في المقابل نربيهم على تبعات القرار، ومسؤولية العواقب، وعلى أن الاستقلال لا يعني الانفصال.
نحن بحاجة إلى بيت يتشارك فيه القرار، لا يتنازع فيه الآباء والأبناء السيادة، بيت يكون فيه الأب مرشدًا لا دكتاتورًا، والأم حاضنةً للفكرة لا مجرد منفذة للقرارات، حينها فقط، نخرج من أسْر السلطة إلى فضاء التأثير، ومن قمع الخطأ إلى تنمية التجربة، هكذا تُبنى الأمم، وهكذا يصنع الرجال.
لعل علياً بن أبي طالب رضي الله عنه كان يسبق عصره حين قال: «ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم»، ومن هنا، تبدأ حكاية الأسرة المسلمة الجديدة، التي لا تحاصر القرار، بل تهيّئ له طريق الرشد.
عثمان الثويني
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
