مع ارتفاع معدلات النزاعات الأسرية إلى آفاق غير مسبوقة على مستوى العالم كله، وربما كأثر من آثار العولمة، نالت بلادنا نصيباً كبيراً من هذه النزاعات حتى ضجت طرقات المحاكم وساحات القضاء بتكدس القضايا الأسرية، وعلى رأسها قضايا الطلاق وتوابعه.
في مصر لا تكاد تمر دقيقتان إلا وتقع حالة طلاق، وأكثر من 80% منها تقع عن طريق المحكمة؛ لأنها تتم وفقاً لقانون الخلع، وفي المملكة العربية السعودية مثلت قضايا الطلاق 32% من قضايا الأحوال الشخصية، حتى إن عام 2022م شهد 38 ألف قضية طلاق.
أما في الكويت، فقد شكلت قضايا الأحوال الشخصية حوالي 33% من إجمالي القضايا المنظورة أمام المحاكم عام 2023م، وفي العام نفسه شهد المغرب أكثر من 24 ألف حالة طلاق، وفي الجزائر هناك 10 حالات طلاق كل ساعة.
هذه الأرقام المخيفة حد الرعب تفتح علامات استفهام كثيرة، يأتي على رأسها كيف يمكننا إيقاف هذا الانهيار الأسري، وكيف يمكن مواجهة هذه النزاعات؟
الحوار البنَّاء وحل الخلافات الزوجية | Mugtama
قبل المحكمة
استحدثت محاكم الأحوال الشخصية ومحاكم الأسرة في معظم البلاد العربية لجان تسوية لتفكيك هذه النزاعات الأسرية، قبل أن ترفع لساحة القضاء، والحقيقة أن هذه اللجان نجحت في تقديم العديد من الحلول، ومنعت الكثير من حالات الطلاق.
ففي الكويت، تمكنت لجان التوفيق والإصلاح التابعة لوزارة العدل من حل نحو 50% من القضايا الأسرية قبل وصولها إلى المحاكم، وفي أبوظبي تمكنت دائرة القضاء من التسوية الودية لنحو 61% من النزاعات الأسرية المعروضة على لجان التوجيه الأسري خلال العام الماضي، وقد نجحت بذلك في تخفيض معدلات الطلاق إلى الثلث مقارنة بالعام 2021م.
منظمات المجتمع المدني كان لها نصيب كبير أيضاً في محاولة منع النزاعات الأسرية من الوصول لساحات القضاء، وتنوعت هذه الجهود ما بين جمعيات تطرح برامج لدعم الأسرة كالجمعيات المتخصصة في تأهيل المقبلين على الزواج، وتقديم الاستشارات الأسرية، بحيث تتم محاصرة بذور الشقاق قبل أن تنبت وتتحول لزروع شيطانية.
هذا الدور تبنته مؤسسات رسمية أيضاً كالأزهر الشريف في مصر، فقد طرح برامج متخصصة للمقبلين على الزواج وأخرى للمقبلات على الزواج في المحافظات المختلفة، وهناك برامج تتم بالتشارك مع مؤسسات رسمية أخرى مهتمة بالبنى الاجتماعية، وهو الأمر الذي قامت به وزارة العدل الكويتية من خلال قطاع الأسرة والتحكيم الذي طرح دورة «وفاق» لتأهيل المقبلين على الزواج، وفي المغرب وحده تم إنشاء أكثر من 70 جمعية وظيفتها العمل في مجال الوساطة الأسرية.
إصلاح إلكتروني
أما المملكة العربية السعودية، فقد فتحت آفاقاً جديدة في جهود الوساطة والإصلاح التي قامت بقفزة في مجال تطويرها عن طريق استغلال الفضاء الإلكتروني بشكل مثمر، فأطلقت منصة «تراضي»؛ وهي منصة إلكترونية تابعة لمركز المصالحة بوزارة العدل تمكّن أطراف الدعوى ومصلحي وزارة العدل والمصلحين المسجلين من الالتقاء الواقعي أو الافتراضي وممارسة عملية المصالحة للتوصل لحل يرتضيه أطراف النزاع.
المنصة تنهي النزاع في زمن قياسي برضا جميع الأطراف دون الحاجة إلى حضورهم بعد أتمتة الإجراءات من بداية تقديم الدعوى وحتى الانتهاء بوثيقة الصلح لتعزيز السرية في جلسات المصالحة، وتحديد الخلافات بين الأطراف والتوصل إلى تسوية مرضية لهم وتسجيل وثيقة صلح ملزمة لجميع الأطراف، وهي تقدم خدماتها بالمجان.
ويقوم بتقديم الخدمة الإلكترونية مجموعة من المصلحين والمصلحات المختصين في مجال الأحوال الشخصية والحقوقية وفض النزاعات الأسرية، حيث استهدف المشروع تقديم الخدمة لـ 3327 أسرة خلال العام 2024م.
«الخرس الزوجي».. الأسباب والآثار والعلاج | Mugtama
التحكيم العرفي
إذا كانت لجان فض المنازعات الأسرية استهدفت قطاعاً من الأسر وصل بهم قطار الخلافات إلى بوابة المحكمة بالفعل، وإذا كانت المنصات الإلكترونية الواعدة استهدفت قطاعاً آخر مستثمرة الفضاء الإلكتروني بشكل فعال، فهناك قطاع آخر من الأسر لا يمكن الاستهانة به يمكن علاج مشكلاته ونزاعاته عبر جلسات التحكيم العرفية التي كانت هي الأصل في حل النزاعات لفترة ليست بالطويلة قبل تطور النظم القضائية.
لا يزال القضاء العرفي له تأثير كبير خاصة مع سكان البادية، حيث يكون لشيخ القبيلة كلمته المؤثرة، والحقيقة أن القضاء العرفي يخفف كثيراً من الضغوط على المؤسسات القضائية، وهو يحقق لوناً من العدالة الناجزة ويجعل مشكلات القبيلة تحل داخلها، كما أنه يقلل من مشاعر الشحناء داخل الأسر المتنازعة.
وعلى الرغم من غياب الإحصاءات الدقيقة والرسمية عن تلك النزاعات التي تحل عن طريق القضاء العرفي، فإن أثرها يكون ملموساً، ففي قبائل رأس الخيمة والشارقة وغيرها من قبائل شبه الجزيرة العربية، لا يزال الناس يلجؤون لشيخ القبيلة وللقضاء العرفي ينشدون الصلح.
القضاء العرفي في شمال سيناء المصرية، ما زال له حضور كبير، ويرى بعض المشايخ هناك أن 70% من القضايا يتم حلها عبر هذا النوع من التحكيم، وهناك قضاة عرفيون متخصصون للقضايا المتعلقة بالأسرة، وغالباً تحكم في القضية من جلسة واحدة إلا إذا كانت قضية معقدة، وقد يشمل الحكم دفع الأموال أو رفع الرايات البيض كاعتذار في قضايا العرض، وإذا ضرب الزوج زوجته يحدد له كفيل لمنع تكرار الضرب.
هذه مجرد نماذج تؤكد أنه ما زال للمجالس العرفية دور حيوي في حل النزاعات الأسرية، والحاجة ماسة لتفعيل كل الجهود للحفاظ على تماسك الأسرة وحمايتها.
فاطمة عبدالرؤوف
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
