في الجزء الجنوبي من فلسطين، وتحديداً في رقعة صغيرة تدعى غزة، تجري واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، على مرأى ومسمع من العالم، يُرتكب ما لا يمكن وصفه سوى بأنه هولوكوست معاصر، تقوده آلة الحرب الصهيونية، بينما تقف الأنظمة الغربية والعربية الرسمية في حالة من الشلل المخزي، لا تملك سوى بيانات الشجب والإدانة الرمزية الباردة، التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
وفي زمن تتعرى فيه القيم الإنسانية وتنكشف فيه الأقنعة، تقف غزة شاهدة على مأساة تتكرر، ولكن هذه المرة بصمت عالمي مدوٍّ، وهوان عربي يكاد يُسمع صداه أكثر من صواريخ الاحتلال.
منذ أكتوبر 2023م، شن الجيش الصهيوني حرباً هي الأعنف في تاريخها على قطاع غزة، رداً على عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتها المقاومة الفلسطينية ضد مناطق الغلاف والمستوطنات الصهيونية، لكن ما جرى ويجري هو قتل جماعي ممنهج، وإبادة منظمة، تستهدف كل ما هو حي من البشر والشجر، إضافة للحجر من المنازل والمؤسسات والجامعات والمدارس والمستشفيات والمساجد ومراكز الإيواء التابعة للأمم المتحدة، في محرقة نازية خلفت وما زالت أكثر من 50 ألف شهيد، غالبيتهم من الأطفال والنساء، في مشهد يعيد إلى الأذهان صور المجازر الكبرى في التاريخ القديم، وسط صمت عالمي مخزٍ، ومواقف رسمية توازي في ضعفها حجم الكارثة.
إن ما ترتكبه آلة الحرب الصهيونية في غزة تجاوز كل توصيف تقليدي لمصطلحات الحروب، هو ليس نزاعاً مسلحاً، بل «هولوكوست» بامتياز، تُرتكب فيه المجازر على مرأى ومسمع من العالم، وتُستخدم فيه الأسلحة المحرمة دولياً، ويُحاصر فيه الناس حتى من الطعام والماء والدواء، إنه إبادة جماعية حقيقية، تُنفذ بحصار خانق وبتواطؤ دولي، بينما تُساق الروايات الزائفة لتبرير هذا التطهير العرقي، ويُشرعن القتل باسم «الدفاع عن النفس»، وكأن الفلسطينيين ليسوا بشراً يستحقون الحياة.
التجويع سلاح حرب
بالتوازي مع العدوان والمحرقة، شددت دولة الاحتلال الصهيوني من حصارها المفروض على غزة، فأغلقت المعابر ومنعت دخول المساعدات والمواد الغذائية والمياه والوقود، كما استهدفت الأراضي الزراعية ومخازن الغذاء والمخابز؛ ما أدى إلى انهيار كامل في سلسلة الإمداد الغذائي، وأصبحت غزة بين فكي القتل والجوع، وباتت تواجه مجاعة تامة في ظل غياب أي قدرة على إدخال المساعدات الإنسانية التي صارت تستخدم كورقة سياسية، للضغط على المقاومة من أجل تقديم تنازلات في المفاوضات.
ما ترتكبه آلة الحرب الصهيونية في غزة تجاوز كل توصيف تقليدي لمصطلحات الحروب!
في الحروب، تُستخدم الأسلحة لتدمير الجيوش، لكن في غزة، تستخدم الأسلحة لقتل الأبرياء والمدنيين، ويُستخدم الجوع لتجويع شعب بأكمله، ولقد بات واضحاً أن دولة الاحتلال، ضمن إستراتيجيتها العسكرية، تستخدم الحصار والقيود المفروضة على دخول المواد الغذائية والإنسانية كوسيلة ضغط على أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني؛ ما يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان.
إن استخدام دولة الاحتلال لسلاح الجوع في هذه الإبادة ليس عشوائياً، بل يحمل أبعاداً سياسية وعسكرية لتحقيق العديد من الأهداف، منها:
– الضغط على الحاضنة الشعبية لدفع السكان إلى التمرد على المقاومة.
– فرض شروط الاستسلام على فصائل المقاومة وعلى رأسها «حماس»، وإرغامها على التفاوض بشروط مذلة، وتسليم الأسرى.
– إركاع المواطنين وإجبارهم على الخروج من غزة، والهجرة هرباً من القتل والجوع.
– إظهار فشل الإدارة في غزة، عبر إضعافها وعجزها عن تقديم الطعام والخدمات لمواطنيها.
سياسة التجويع التي تمارسها الدولة الصهيونية وجيشها النازي ليست فقط جريمة أخلاقية، بل جريمة حرب بموجب الاتفاقيات الدولية، وعلى الرغم من الإدانات المتكررة، فإن غياب المحاسبة الدولية شجّعها على المضي قدماً في هذا النهج دون رادع.
المساعدات.. ومعركة التحدي
المساعدات الإنسانية لغزة ليست فقط ضرورة، بل هي الحد الأدنى من الواجب الإنساني والأخلاقي، ومع ذلك، تُواجه هذه المساعدات عراقيل من الاحتلال، وتضييقاً من المعابر، وتعطيلاً متعمداً، وكأن الموت يجب أن يتم بلا ضجيج، بلا غذاء، بلا دواء، وبلا شهود، بل إن دخول قوافل الإغاثة أصبح معركة بحد ذاتها، تشهد فيها الإنسانية اختباراً فاشلاً على يد منظمات العالم الكبرى، التي تصمت عندما يتعلق الأمر بفلسطين.
يبدو أن العدو الصهيوني يريد استغلال الجوع في غزة لتحقيق ما عجز عن تحقيقه بالآلة العسكرية وقوة القصف وشدة الغارات، فما لم يستطع تحقيقه بالقوة العسكرية يسعى لتحقيقه من بوابة المساعدات الغذائية التي يقترح أن يقوم بها جيشه، وأن تنفذها قواته العسكرية المتواجدة في بعض مناطق قطاع غزة، وهدفه منها ليس إنسانياً أبداً، ولا حرصاً على صحة وسلامة المواطنين الفلسطينيين.
الهوان العربي جزء من المأساة ليس فقط بالصمت بل أحياناً بالتواطؤ ومنع وصول المساعدات!
إذ تتنافى المبادئ الإنسانية مع جرائم القتل التي يمارسها يومياً، ولا هي استجابة للمطالب الأمريكية والضغوط الدولية، التي تشاركه العدوان والحصار ومواصلة الحرب، بل لأهداف خبيثة، لا تتوافق مع حاجات الفلسطينيين وطلباتهم، ولا تحقق رغباتهم وتنقذ حياتهم، بل تتفق والأهداف الصهيونية، وتنسجم مع الخطط والبرامج المعدة، إذ رغم الجوع والعطش والفقر والفاقة والحاجة، فإن الفلسطينيين لن يتعاونوا أو يرحبوا بمشروع يرون أنه يستهدف اختراقهم وترحيلهم وتصفيتهم لكن بشكل آخر.
الصمت العربي.. جريمة
في مقابل ذلك، يقف العالم العربي، باستثناء بعض التحركات الفردية والشعبية، عاجزاً، مشلول الإرادة، وكأن غزة ليست على خريطة عروبتهم، دول تملك المال والقوة والتأثير، لكنها تكتفي بالبيانات المكررة والقمم الطارئة عديمة الجدوى.
لقد أصبح الهوان العربي جزءاً من المأساة، ليس فقط بالصمت، بل أحياناً بالتواطؤ أو بمنع وصول المساعدات، أو بالتطبيع مع الجلاد وهو لا يزال يغرس سكينه في جسد الطفل الفلسطيني.
الواقع المؤلم هو أن الموقف العربي لم يعد مجرد تقصير، بل بات شراكة ضمنية في الجريمة بالصمت، فكثير من الدول العربية باتت ترى في القضية الفلسطينية عبئاً سياسياً، لا قضية وجود وأخلاق، وتم تغييب غزة عن أولويات الأنظمة، وتركت وحيدة في مواجهة السلاح العسكري الصهيوأمريكي وسلاح الجوع والمساعدات.
غزة لا تحتاج فقط إلى قوافل مساعدات، بل إلى قوافل كرامة، إلى قوافل صحوة ضمير، إلى موقف عربي يُعيد تعريف الشرف القومي، فاستمرار هذا «الهولوكوست» الصهيوني، في ظل هذا الهوان العربي، وصمة عار لن تُمحى من ذاكرة التاريخ، قد لا تنتظر غزة معجزة، لكنها تستحق ألا تُترك وحدها، ألا تُدفن تحت الركام مرتين؛ مرة تحت أنقاض القصف، ومرة تحت رماد الصمت والخذلان.
إياد القطراوي
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
