ليس كل الناس يدعو ربه، لطلب الحوائج، فمن الناس من نسي أن له رباً يلجأ إليه، ومنهم من شغل بالأسباب وحدها، فهو لا يفكر إلا فيها، وتغافل عن مسببها سبحانه وتعالى، لكن الله عز وجل إذا أراد بعبده خير ألهمه الدعاء؛ لذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنِّي لَا أَحْمِلُ هَمَّ الْإِجَابَةِ وَإِنَّمَا أَحْمِلُ هَمَّ الدُّعَاءِ»(1).
ومن فوائد الدعاء وخيراته العظيمة ما يشعر به الداعي من السكينة والطمأنينة حين يدعو، بغض النظر عن رؤية الإجابة أو عدمها، فما سبب الشعور بالسكينة عند الدعاء؟
1- النفس تسكن بالعبادة:
ليس شيء أروح للنفس وأسعد لها من العبودية لله تعالى، فالعبادة السبيل إلى الراحة والسكينة، ففي مسند أحمد، عَنْ سأل بن أبي الجَعْدِ، عن رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا بِلَالُ، أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ».
وقال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر: 60)؛ فقد أمر بالدعاء ثم ختم الآية بالإشارة إلى أن المستكبرين عن العبادة يدخلون جهنم، ولم تأت في الآية عبادة إلا الدعاء.
وروى أحمد في مسنده بسند صحيح عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، وفي العبادة الراحة والسكينة، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) (الفتح: 4).
2- النفس تسكن باليقين في تلبية طلبها:
حين يحتاج الإنسان لشيء، ويعلم أنه موجود لدى جهة معينة، تسكن نفسه بمجرد هذه المعرفة، حيث إنه اقترب من هدفه، وحينئذ يبادر بالذهاب إلى تلك الجهة، وبينما هو في الطريق يسأل عن مدى تحقق الإجابة لطلبه، فتأتيه الأخبار من كل جانب أن هذه الجهة لا ترد أحداً، فهي تعطي كل من سألها، فتزداد سعادته وسكينته.
هذا، ولله المثل الأعلى؛ فالله لا يرد سائلاً، بل وعد بالإجابة في قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60)؛ لذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «إني لا أحمل هَمَّ الإجابة، ولكن أحمل هَمَّ الدعاء، فإن ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه»، وفي هذا يقول القائل:
لو لم ترد بذل ما أرجو وأطلبه من جود كفك ما عودتني الطلبا(2)
3- النفس تسكن حين يأتيها الخير:
ليس في الدعاء إلا الخير، بل إن الدعاء كله خير، حيث إن الداعي لا يرده الله عز وجل إلا بالخير، فقد يدعو الداعي دعوة فيها هلاكه، فلا يجيبها الله، رحمة به، وفي هذا خير له.
فقد روى الحاكم، والبيهقي، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا مَأْثَمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ دَعْوَتَهُ، أَوْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، أَوْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَهَا».
وأوضح مطرف بن عبدالله أن الخير كله في الدعاء، حيث قال: تذاكرت: ما جماع الخير؟ فإذا الخير كثير: الصيام، والصلاة، وإذا هو في يد الله تعالى، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله، فيعطيك، فإذا جماع الخير: الدعاء(3).
4- إقبال الله على من دعاه:
الله تعالى يحب من دعاه، ويجزيه بالدعاء إقبالاً لا إدباراً، وعطاء لا حرماناً، حيث قال الله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) (الفرقان: 77)، فقد أخبر تعالى أنه لا يبالي ولا يعبأ بغير هؤلاء، وأنه لولا دعاؤكم إياه، دعاء العبادة ودعاء المسألة، ما عبأ بكم ولا أحبكم(4).
ويسهم إقباله عز وجل على من دعاه في سكينة النفس، حيث يجد الداعي من يسمع إليه، ولا يستهين بحاجاته، ولا يفشي أسراره، بل يقبل منه الكلام بما في نفسه، بغض النظر عن لغته أو هيئته، بل إنه يسمعه جهرة أو خفية، قال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) (الأعراف: 55)، وقال عز وجل: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ {63} قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ) (الأنعام).
5- النفس تسكن بالذكر:
الدعاء ذكر لله تعالى ولجوء إليه وإلحاح عليه، وهذا الذكر سبيل إلى حصول السكينة والطمأنينة، حيث قال الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).
6- الدعاء يفتح باب الأمل:
إن القارئ للقرآن العظيم وأحاديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يجد أن الداعي موعود بالإجابة، وأن الدعاء يفتح للعبد أبواب الخير والرزق، وأن الله تعالى يفرح بدعاء عبده، ويغضب على من أعرض عنه، ففي هذا كله ما يفتح باب الأمل أمام الداعي، وهو باب يسعد النفس ويسكنها.
______________________
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
