لطالما تغافل الإعلام عن الحديث عن شخصيات مهمة في محطات المقاومة الفلسطينية وتأثيرها في إحداث تغيير جذري وحقيقي في مجريات العمل المقاوم، بل وأسهمت بشكل كبير في التأسيس والتمهيد للأحداث السياسية المهمة في العمل الفلسطيني سواء على المستوى السياسي أو الديني أو الاجتماعي.
ومن تلك الشخصيات والرمزيات المهمة التي أسهمت في صناعة العمل المقاوم من الواقع التنظيري الشيخ أحمد نمر الذي لا يُعرف الكثير عنه، فهو يعرف بأنه مجرد داعية أو خطيب إسلامي يلقي الخطب والمواعظ في مساجد قطاع غزة، لكن الأمر بخلاف ذلك تماماً.
عُرف الشيخ جماهيرياً باسم أحمد نمر، وقد اعتلى منبر مسجد الرحمة بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة نحو 3 عقود، تخللها انقطاعات متكررة بسبب الاعتقالات في سجون السلطة منذ أواسط التسعينيات حتى انطلاق «انتفاضة الأقصى».
إذ يعدّ نمر شيخ خان يونس وأحد أعلام حركة «حماس» الذي عرف عنه الثبات والصلابة في المواقف والمبادئ، وبأنّه صاحب الحنجرة الثورية التي تركت بصمتها في جنائز الشهداء من الفصائل الفلسطينية كافة؛ الأمر الذي أكسبه حظوة على المستوى الجماهيري بشكل عام، ونفوذاً كبيراً في الوسط التنظيمي لـ«حماس».
يمكن القول: إنّ الشيخ هو إحدى أهم أيقونات العمل المقاوم في غزة المنسية التي أسست للخطاب المقاوم، بل وعملت على التحشيد والتعبئة للعديد من شخصيات ورموز «حماس» السياسية والعسكرية، ولاقت قبولاً كبيراً بين أوساط الحركة، حتى إنّه أحدث تأثيراً كبيراً على أوساط الصفوف الأولى في حركة «حماس»، وأسهم في صلابة مواقفها ورفضها التناغم مع الخيارات والحلول السلمية.
الشيخ نمر الذي ولد عام 1938م، وهجّر مع أهله من قرية بشيت، وكان في شبابه متفوقاً علمياً، وعمل مدرساً في وكالة الغوث (أونروا)، وبعد مضايقات عديدة نُقل للعمل في مؤسسات أخرى تابعة لـ«أونروا» بعيداً عن ميدان التعليم وتربية الأجيال، وبعد تقاعده انخرط في العمل الدعوي والاجتماعي.
وتعدّ محطة إبعاد الشيخ عام 1992م إلى مرج الزهور برفقة 415 من كوادر «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، إحدى أهم اللبنات التي أسهمت في التأسيس لأيديولوجية وفكر الشيخ، حيث اشتهر فيما بعد بخطبة الجمعة من على منبر مسجد الرحمة بمدينة خان يونس.
إضافة إلى ذلك، فإنّ الشيخ عرف عنه بأنّه مفوّه وطليق اللسان في خطبه ومواعظه، وبأنّه ثوري الفكر، وانبرى طيلة حياته الدعوية في الدعوة إلى التمسك بثوابت الدين، وفلسطين التاريخية من النهر إلى البحر، وفضح جرائم الاحتلال «الإسرائيلي» منذ نشأته، وفضح سياسات السلطة الفلسطينية واتفاقيات العار وفي مقدمتها «أوسلو»؛ الأمر الذي أكسبه الحظوة الجماهيرية والتأثير الكبير في الأوساط التنظيمية لحركة «حماس».
ومن المقولات المأثورة عن الشيخ نمر وصفه لرموز السلطة الفلسطينية بأنّهم «خواجات رام الله»، و«سلطة إخوان الخنازير»! في حين أنّ الراحل إسماعيل هنية كان يصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالأخ الرئيس أو الأخ أبي مازن؛ الأمر الذي جعل الشيخ يوبخه على خلفية الخطاب الذي يعتبره مهادناً وناعماً ولا ينبغي استخدامه تجاه رموز سلطة أوسلو.
وكان له جملته الشهيرة التي دائماً ما يستهل به خطبه: «هنا صوت الإسلام، صوت الكلمة الطيبة، صوت الفقه الميسور، صوت العبادة الخالصة لله من الشرك والانحراف، صوت الرؤية الواضحة لواقع المعاناة، صوت الرؤية الكاشفة لأعداء الله»، هذا الوضوح في العبارة والسلالة في مخاطبة الآخرين جعله من خطبه ومواعظه يقع في نفس وقلوب وأسماع جماهيره ومن يستمعون له.
وحينما أرادت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في غزة اعتقال د. عبدالعزيز الرنتيسي عام 2001م، رفض تسليم نفسه واعتصم بالبيت؛ الأمر الذي أثار النزعة الثورية لدى الشيخ نمر، بل ودعا الجماهير إلى التصدي لحملة الاعتقال بحق الرنتيسي وقال كلمته الشهيرة: «لا أفلحتم إذا اعتقل الرنتيسي»، فقامت الجماهير بتلبية نداء الشيخ وأجبرت السلطة بالتراجع عن اعتقال الرنتيسي الذي يعدّ أحد أبرز تلامذته ومريديه المميزين.
كل هذه المحطات والمواقف أسهمت للتأسيس والتمهيد للنجاح الذي حققته ولا تزال تحققه المقاومة الفلسطينية في غزة، بل وعمدت إلى تأسيس أيديولوجية المقاومة بين أوساط العديد من رموز «حماس» السياسية والعسكرية، ومنهم: الرنتيسي، والضيف، والسنواران (يحيى السنوار، محمد السنوار)، والنمروطي، أول مسؤول لـ«كتائب القسام»، الذراع العسكرية لحركة «حماس».
وهنا يمكن القول: إنّ الجيل الذي أنجبته «حماس» في غزة يختلف عن الجيل الذي أنشأته «حماس» في الضفة، وهو الذي صنع هذا الصمود الأسطوري والانتصار في أصعب الظروف التي يمر بها قطاع غزة، فالشيخ نمر يمكن أن يطلق عليه أيقونة العمل المقاوم في غزة التي أسهمت في التأسيس لخطاب وفكر المقاومة، بخلاف الواقع في الضفة الغربية الذي ارتضى أنصاف الحلول والإمساك بالعصا من المنتصف، وهذا سر نجاح المقاومة في غزة وتراجعها في الضفة الغربية التي يمكن القول: إنّها لم تأخذ بمبدأ الحزم والعزم في المواقف والمتغيرات التي تمر بها القضية الفلسطينية.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
