منذ أيام، وعقب عودته من مصر، فوجئ الجميع بانتقاد ماكرون لقصف «إسرائيل» للمدنيين في غزة، قائلاً: «لا يوجد مبرر لقصف «إسرائيل» للأطفال والنساء والمسنين، ولا يوجد سبب ولا شرعية لذلك، أدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة، وآمل أن ينضم زُعماءُ غربيون آخرون إلينا».
ومؤخراً، طرح المبعوث الفرنسي للشؤون «الإسرائيلية» الفلسطينية برونشتين الذي ولد في بئر السبع بالأراضي المحتلة، رؤى جديدة حول خطة ماكرون للسلام، وأكد برونشتين استعداد فرنسا لإرسال قوات إلى غزة لإدارة توزيع المساعدات الإنسانية، وقال: كلامي نيابة عن الرئيس الفرنسي؛ إذا لم تدخل المساعدات الإنسانية بسبب مخاوف «إسرائيل» من سيطرة «حماس»، فإن فرنسا مستعدة لنشر قواتها والمنظمات الفرنسية، وربما دول أوروبية أخرى، للمساعدة في حل المشكلة وتوزيع المساعدات بأنفسنا.
ويعتقد برونشتين أن إعلان ماكرون قيام دولة فلسطينية يتماشى مع المصالح العليا لـ«إسرائيل»، ويهدف إلى إيجاد حل دائم لإنهاء الصراع، موضحاً أنه لن تعترف أي دولة عربية بـ«إسرائيل» دون أن تعترف «إسرائيل» بدولة فلسطينية.
كل هذه التطورات تطرح السؤال التالي: ما أسباب تغّير الموقف الفرنسي من حرب الإبادة في غزة؟
فبعد الدعم الفرنسي المطلق لـ«إسرائيل» في عدوانها الهمجي ضد المدنيين العزل في غزة، تبدلت الحال وتغيرت اللهجة تجاه «إسرائيل»، فعقب أحداث 7 أكتوبر 2023م، قام ماكرون بزيارة «إسرائيل»، في 24 أكتوبر 2023م، لإعلان تضامن باريس التام مع «تل أبيب»، ولم يكتف بذلك، بل دعا إلى تشكيل تحالف دولي ضد «حماس»، على غرار التحالف الدولي ضد «داعش» في العراق وسورية.
العجرفة الأمريكية تجاه الأوروبيين
ربما أدت العجرفة الأمريكية تجاه الأوروبيين بشكل عام وتجاه فرنسا بشكل خاص دوراً في تبدل المواقف الفرنسية، لقد طالت العجرفة الأمريكية الأوروبيين في عقر دارهم في مواقف عدة؛ فعلى هامش مؤتمر ميونخ للأمن الذي عقد في فبراير الماضي، التقى جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، زعيمة حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، وطالب فانس خلال المؤتمر الأحزاب السياسية الرئيسة في ألمانيا على التخلي عن رفضها التعاون مع اليمين المتطرف، قائلاً: الديمقراطية ترتكز على المبدأ المقدس المتمثل في أن صوت الشعب مهم.
واعتبر الساسة الألمان هذا تدخلاً صريحاً في الشؤون الألمانية، ورد المستشار الألماني أولاف شولتس غاضباً على تصريحات فانس، واصفاً إياها بأنها «مزعجة» ولا يمكن تجاهلها، كما انتقد بوريس بيستوريوس، وزير الدفاع الألماني، خطاب فانس، قائلاً: إنه من غير المقبول مقارنة الأوضاع في أوروبا بتلك الموجودة في الأنظمة الاستبدادية.
ولم تنجُ الدنمارك من تهديدات ترمب، فقد هددها بالتحرّك عسكرياً لضم جزيرة جرين لاند، موضحاً أن ضمها للولايات المتحدة سيؤدي لازدهارها.
العجرفة الأمريكية تجاه فرنسا
في فبراير الماضي، أثناء لقاء ترمب مع ماكرون قال الأول: «أوروبا تقرض أوكرانيا المال، إنهم يستعيدون أموالهم، وسنستعيد نحن أموالنا»، فمد ماكرون يده ليمسك بذراع ترمب وقاطعه قائلاً: «لا، في الواقع، لقد دفعنا 60% من إجمالي الجهود»، كما أن المصافحة الغريبة في اللقاء الذي جمع الرئيسين الأمريكي ونظيره الفرنسي في البيت الأبيض، رصدها مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي.
كما انتشرت مصافحات عديدة، قبل تولي ترمب منصبه رسمياً، حيث حاول في إحدى المرات رفع يد نظيره الفرنسي إلى الأعلى، ليرد الأخير بوضع يده اليسرى على يد ترمب، ورأى محللون ووسائل إعلام أن ترمب يحاول إظهار هيمنته على ماكرون في العديد من المناسبات بمصافحته الغريبة، لكن الرئيس الفرنسي يحاول مقاومة هذا الأسلوب فيما يبدو أنها محاولة لإظهار تماسك باريس في وجه الضغوط الأمريكية.
كما تجلت العجرفة الأمريكية تجاه فرنسا في رد كارولين ليفت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، على سؤال لصحفي حول دعوة أحد النواب الفرنسيين بالبرلمان الفرنسي إعادة تمثال الحرية لفرنسا قائلة: «بفضلنا، لا يتحدث الفرنسيون الألمانية الآن»، ساخرة من طلب البرلماني الفرنسي رافائيل جلوكسمان استعادة تمثال الحرية من الولايات المتحدة، بحجة أنها لم تعد تمثل قيمة.
تمثال لفلاحة مصرية!
ومن المفارقات أن تمثال الحرية هو تمثال لفلاحة مصرية، كان من المفترض أن يكون منارة لقناة السويس، كما تقول دائرة المعارف البريطانية: إن ذلك التمثال كان سيشكل مصدر فخر للمصريين من جميع الطبقات الاجتماعية، فقد كانت منارة في شكل فلاحة مصرية تحمل شعلة عالية ويشع النور من رأسها عندما تمر سفن من دول لا حصر لها من تحتها، فقد كان يُنظر إلى هذه المرأة على أنها التجسيد المادي لمصر، ورغم إعجاب الخديوي إسماعيل بالتصميم، فإن الوضع الاقتصادي في مصر آنذاك أدى لإلغاء المشروع وتم إرساله إلى الولايات المتحدة.
تخلي أمريكا عن دعم أوكرانيا
أيضاً تخلي الولايات المتحدة عن دعم أوكرانيا والتكبر على الرئيس الأوكراني في البيت الأبيض أصاب أوروبا والعالم بصدمة، لا سيما بعد المشادة الكلامية غير مسبوقة بين الرئيس الأوكراني زيلينسكي، وترمب، ونائبه فانس، بحضور عدد من الصحفيين.
كذلك شكّل اعتراض عدد من رؤساء البعثات الدبلوماسية على سياسة بلادهم الخارجية ضغطاً غير مسبوق على الإدارة الفرنسية، لقد دفع انحياز فرنسا لـ«إسرائيل» في عدوانها، العديد من الدبلوماسيين الفرنسيين إلي التذكير بضرورة احترام القوانين والمواثيق الدولية والإنسانية، وعبّروا عن قلقهم من موقف بلادهم تجاه العالم العربي؛ ما وضعهم أمام حالة عدم ثقة وألحق الضرر ببلدهم ودورها في العالم العربي.
مظاهرات وانقسامات داخل المجتمع الفرنسي
يضم المجتمع الفرنسي أكبر الجاليات اليهودية في أوروبا، كما يضم أيضاً جالية عربيّة مسلمة هي الأكبر في أوروبا، يصل تعدادها إلى أكثر من 5.5 ملايين، وكانت فرنسا قد شهدت قبل شهور قليلة من أحداث غزة تظاهرات تخللها عنف شديد؛ ما زاد الحديث عن العنصرية و«الإسلاموفوبيا» في فرنسا، الأمر الذي يهدد استقرارها.
لذا يمكن القول: إن التغير الذي طرأ على الموقف الفرنسي ربما يرجع لاعتبارات تتعلق بحفظ ما وجه باريس إزاء العجرفة الأمريكية تجاه الأوروبيين بشكل عام وتجاه فرنسا بوجه خاص، كما يتعلق بالمخاوف من انقسامات داخلية واندلاع مظاهرات وأعمال شغب، كذلك ربما جاء تغير موقف ماكرون بسبب الضغوط الهائلة التي تمارسها بعض البعثات الدبلوماسية وأعضاء برلمانيين، وبسبب تحذيرات بعض المؤسسات الفرنسية بأن التوتر والانقسام اللذين يسودان المجتمع الفرنسي ربما يؤديان إلى انفجار الوضع في فرنسا، لا سيما في أحياء المهاجرين وغالبيتهم من العرب والمسلمين.
د. فاطمة إبراهيم المنوفي
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
