د. أمل خليفة لـ«المجتمع»: دور المرأة ليس قاصراً على تربية الأبناء فقط!
في زمن نكون أشد الحاجة فيه إلى ثقافة إسلامية أصيلة لتكون داعمة لقضايا الأمة وحصنًا منيعا لأبنائها من الانحراف أو التيه، تمثل المرأة المسلمة أحد أهم أعمدة بناء ثقافتها وحضارتها.
وعليه، قامت «المجتمع» بإجراء حوار مع أحد النماذج النسائية الرائدة د. أمل خليفة، الباحثة المتخصصة في تاريخ القضية الفلسطينية، التي تركت مهنة الطب واتجهت لدراسة التاريخ؛ رغبة في خدمة أمتها ودينها، ولها إسهامات عديدة من دراسات علمية وكتب تاريخية وبرامج تلفزيونية عن تاريخ فلسطين، ودار الحوار معها عن أبرز محطات حياتها، وعن مدى أهمية الثقافة في تكوين المرأة المسلمة والموازنة بينها وبين مسؤولياتها الأسرية.
ما الذي أثَّر على تكوين هويتك الثقافية؟
– أكثر ما أثر على تكوين هويتي الثقافية الخلفية الدينية، ففي مطلع شبابي بدأت تنتشر الدروس الدينية في المساجد، وكانت الكتب المتنوعة تباع عقب الدرس، وبدأت في هذه الفترة أتوجه للقراءة والثقافة، وكانت الكتب القديمة أوّل ما توجهت إليه مثل كتب ابن القيم؛ لذلك تشكلت لديَّ ثقافة دينية قوية في بداية شبابي.
وتبلور الأمر بصورة أكبر عندما دخلت إلى الجامعة حيث انتشار الأنشطة الطلابية المنظمة خاصة بين أبناء التيار الإسلامي، وهذا جعلني أستشعر المسؤولية في حمل الدعوة وإيصال رسالة الإسلام في سن مبكرة.
ما الذي جعلكِ تتجهين إلى دراسة التاريخ بعد تخرجك في كلية الطب؟
– ما جذبني إلى التاريخ هو ما قد يجذب عموم الناس إليه؛ وهو حب القصص والحكايات، وقد أحببت التاريخ منذ صغري، وتمنيت أن أدرس التاريخ وأنتمي إلى كلية الآداب، وفي ذلك قصة أثرت على مجرى حياتي؛ فعندما كنت في الثانوية قررت الانتماء للقسم العلمي دون الأدبي؛ لأنني لا أحب دراسة الفلسفة وعلم النفس، لكن نويت دخول كلية الآداب من خلال القسم العلمي، وقلت في نفسي: إنني لا أحتاج إلى بذل مجهود كبير لتحصيل الكلية لأنها لا تحتاج إلى مجموع كبير.
لكن حدث ما لم أتوقعه، وحصلت على مجموع يسمح بدخول كلية الطب، وكان والدي رحمه الله يرى أن هذه فرصة لا يجب تضييعها، وضغط عليَّ لدراسة الطب، وقد رفضت بشدة وتمسكت برغبتي لدراسة التاريخ، لكن والدي أجبرني في النهاية على دخول كلية الطب، وسارت الدراسة في السنوات الأولى بشكل جيد، لكن عندما جاءت مرحلة الممارسة العملية في المستشفيات علمتُ أنني غير مؤهلة لممارسة الطب، فقد كان شاقًا عليَّ أن أرى آلام المرضى والأطفال، فأنهيت دراسة الطب على نحو روتيني وحصلت على بكالوريوس الطب والجراحة ثم تزوجت.
لكن رغبتي الشديدة لدراسة التاريخ لم تفارقني، فالتحقت بالجامعة وحصلت على دبلوم العلوم الاجتماعية في التاريخ والجغرافيا، ثم التحقت بعد ذلك بكلية الآداب قسم التاريخ وقضيت 4 سنوات تمتعت فيها بدراسة ما أحب، وكانت من أجمل السنوات التي عشتها، مع العلم أنني في هذه الفترة كانت لديَّ مسؤوليات أسرية، وكنتُ قد رزقت بأولادي الستة، ورغم ذلك كانت تقديراتي مرتفعة بين امتياز وجيد جداً على خِلاف ما كنت في كلية الطب.
ما الذي دفعك للتخصص في دراسة تاريخ القضية الفلسطينية؟
– الثقافة الدينية بالتأكيد أثرت على اهتمامي بالقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، فبعد تخرجي في كلية الآداب طُلب مني تجهيز مادة علمية عن حقبة تاريخية ليتم إخراج عمل مسرحي عنها، وكانت عن الدولة العثمانية وسقوطها والحرب العالمية الأولى، وحينها لم تكن المعلومات متوفرة مثل الآن على شبكة الإنترنت، فكنت أذهب إلى مكتبة البلدية وأقرأ وأجمع المعلومات منها ليتم وضعها في قالب مسرحي، لكن لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وزاد نهمي للقراءة في هذه الحقبة التاريخية وما تلاها والكتب التي لها علاقة بفلسطين، وظللت أذهب إلى المكتبة وأستزيد مثل قطار لا أستطيع إيقافه.
وما دفعني أكثر هو علمي بأن اليهود يدرّسون التاريخ الفلسطيني من وجهة نظرهم المغلوطة للأطفال في المدارس، وفي المقابل وجدت أنه لا توجد كتب لدينا عن فلسطين مناسبة للشباب، وأخذت على عاتقي إصدار كتاب عن فلسطين مناسب للفتيان والشباب، وقمت بكتابة أول كتاب لي وهو «فلسطين الأرض المباركة»، وصدر في عام 1999م، ثم صدر الجزء الثاني من الكتاب بعنوان «فلسطين 48»، وبعد ذلك أصدرت كتاب عن التجربة الفيتنامية بعنوان «هزيمة أمريكا في فيتنام: دراسة مقارنة بين فيتنام وفلسطين».
ما أبرز المحطات في رحلتك للتوعية بالقضية الفلسطينية؟
– كان في رحلتي مع القضية الفلسطينية محطة بارزة منذ عدة سنوات؛ لما قررت استئناف رسالة الماجستير التي كنت بدأتها في عام 2008م، لكن لم تسمح الظروف بإتمامها، فلما عدت لإكمالها وكانت بعنوان التدخل الأجنبي في الشام في القرن الـ19، لاحظت أن المصادر العربية عن تاريخ القضية الفلسطينية بها قصور كبير وأن الرواية العربية ناقصة.
وكذلك عند تحضير رسالة الدكتوراة التي كانت عن يهود روسيا وعلاقتهم بتأسيس الحركة الصهيونية، كانت مفاجئة بالنسبة لي أنني لم أجد أي مصدر عربي في هذا الشأن، وأن معظم المصادر بالإنجليزية أو الروسية أو الألمانية، وأننا كعرب لم نترجم هذه الكتب إلى العربية.
ومصادر أخرى كثيرة لها علاقة بتاريخ القضية الفلسطينية لم تترجم إلى العربية، ومثال ذلك كتاب «الدولة اليهودية» لهرتزل الذي يُعتبر مؤسس الحركة الصهيونية، وقد صدر في عام 1895م وتمت ترجمته لجميع لغات العالم واتخذه اليهود بمثابة كتالوج ليقيموا دولتهم، والصدمة أن هذا الكتاب لم تتم ترجمته إلى العربية إلا بعد 100 سنة تقريبًا من إصداره.
برأيك، كيف يمكن للمرأة المسلمة أن توازن بين مسؤولياتها الأسرية وتحقيق إسهام ثقافي؟
– أرى أن المرأة ميَّزها الله بقدرات فريدة بحيث يمكنها أن تقوم بمهام عديدة في الوقت نفسه، فمع تربية أبنائها ورعاية أسرتها تستطيع خدمة أمتها وتحصيل العلم والثقافة، لكن طريقة تربية الفتيات في مجتمعاتنا بها كثير من السلبيات، فهناك رسالة تصل لعموم النساء وخاصة من رجال الدين أن دور المرأة الأساسي هو تربية أبنائها وخدمة زوجها فقط، وهذا غير صحيح والدليل على ذلك أن أول من أسلم كانت امرأة وهي السيدة خديجة، وأن أول من استشهد كانت امرأة وهي السيدة سمية، فلو كان دور المرأة فقط هو بيتها لنأت الصحابيات عن مضمار الدعوة والجهاد.
ولدينا نماذج عديدة في ديننا، فمثلاً في شعائر الحج تسير الأمة كلها خلف امرأة وهي السيدة هاجر، وضرب الله عز وجل في القرآن أمثلة في الكفر والإيمان كانت عن نساء؛ ولو كانت المرأة قليلة الشأن ما ضرب الله بها مثلاً، حتى الجهاد الذي اختُص به الرجال شاركت المرأة فيه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن السيدة نسيبة بنت كعب في غزوة «أُحد»: «ما التفتّ يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني».
هل تعتقدين أن ثقافة نساء أهل غزة لها دور في صناعة المجتمع الغزي الذي يُظهر هذا المستوى من الصمود؟
– الحقيقة أن المجتمع الغزاوي لديهم ثقافة قوية منشؤها الإحساس بالخطر؛ لأنهم محاطون بالصهاينة، لكن يجب أن نعلم أن هناك فارقاً بين المرأة الغزاوية قديمًا والآن، قديماً كانت المقاومة والعمليات الفدائية بخلفية غير دينية، وكان يقوم بها المتدينون والشيوعيون كذلك، وكان المقاومون من الرجال دون النساء، حتى إن النساء كن يعيقن خروج رجالهن إلى المقاومة.
الآن تغير وضع المرأة في فلسطين، وأصبحت المقاومة أيضًا قضيتها وجزءاً من عقيدتها مثل الرجل عندما ارتبطت المقاومة بالدين، ونموذج أم نضال «خنساء فلسطين» خير مثال؛ التي جهزت ابنها للعملية الفدائية بنفسها، فالمرأة عندما تتبنى القضية يتغير الأمر تمامًا لأنها تتحرك بكل قوتها وتربي أبناءها عليها.
في هذه الظروف التي تمر بها الأمة، تتعاظم الحاجة إلى الثقافة، بمَ تنصحين النساء في العالم الإسلامي؟
– أريد أن أقول لنساء الأمة؛ مَن تظن أن الله عز وجل سيسألها يوم القيامة عن صلاتها وزوجها وأولادها فقط فهي مخطئة، ولو كان الأمر كذلك ما كان للنساء كل هذه الأدوار التي وجدناها في مجتمع الصحابة؛ فالمرأة هاجرت وشاركت في الغزو، وهناك نماذج كثيرة حديثة مثل أخت صلاح الدين الأيوبي التي كانت متخصصة في الأعشاب الطبية وجعلت من بيتها مختبرًا لصناعة الأدوية، وهذا كان له أهمية كبيرة وقت الحروب.
وهناك الكثير من المجالات يمكن أن تتجه لها النساء الآن لكي يكون لهن إسهام ثقافي في المجتمع، مثل الأعمال الوثائقية والإعلامية والترجمة.
وأضيف أن تربية الأبناء ليست مرتبطة بالنساء وحدهن، بل مهمة الرجال أيضًا، فلا يجب قصر دور المرأة في المجتمع على تربية الأولاد، كما أن هناك نساء لم ينجبن أو حتى لم يتزوجن، فالمرأة تستطيع تأدية أدوار متعددة لخدمة أمتها لكن يحتاج منها إلى إصرار ورغبة شديدة وقناعة بأن هذا ليس نفلًا، بل ضرورة.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
