إذا هَـبَّتْ رياحُك فاغتنمْها فإنّ لكل خافقـةٍ سكونُ
ولا تزهَدْ عن الإحسان فيها فما تدري السكونُ متى يكونُ
نُسب هذان البيتان لسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفيهما درس حياتي يغفل عنه الكثير من الناس؛ وهو ببساطة استغلال الوقت من جهة، وانتهاز الفرصة التي مُنحت للإنسان في ذلك الوقت دون تسويف من جهة أخرى، وكذا ألا يتعجل أمرًا معينًا أراده، ويشترط حدوثه لاتخاذ قرار ما، أو القيام بإنجاز معين، فكثيرًا ما نسمع من يتحجج بأنه ما إن تسنح الظروف سيقوم بفعل كذا وكذا.
والإشكالية في الأمر أنه في معظم الأحيان لا يتغير شيء بانتظارنا، والوقت المثالي لا يأتي أبدًا، وحتى إذا افترضنا حدوث الشروط التي يضعها أحدنا لنفسه، فكثيرًا ما لا تتيسر الفرصة حين تتوفر الشروط التي وضعها للقيام بالعمل، ويتضح لنا أخيرًا وبعد فوات الأوان -أو انتهاء فترة الخافقة وحلول السكون، أو حتى حلول خافقة وانشغالنا بها- أن تحقق الشروط ليس كافيًا لتحقيق ما نريد، والأدهى منه أننا نكتشف أننا لم نكن حتى بحاجة لتلك الشروط التي اشترطناها حتى نحقق ما نبغي.
من جهة أخرى، قد تجد آخر يشتكي روتينه الذي يقوم به يوميًا وإن أحبه، ذلك لرغبته في التغيير وسأمه من تكرار ما يقوم به، ولا يدرك المسكين أن الدوام لله تعالى، وأنه لا بد سيأتي يوم ينتهي فيها هذا الروتين الذي ألِفَه حتى ملَّه، ويحل مكانه آخر، وحينها -وكحال معظم الناس- سيتمنى حينها لو عادت به الأيام لتلك الفترة الذهبية والأيام التي لا تُعوض فيستغلها على أكمل وجه ممكن، ولكن هيهات!
وإليكم بعض الأمثلة الواقعية ومتكررة الحدوث على مثل هذه الأمور حتى تتضح الصورة:
الأول: قضاء الوقت مع أحبابنا:
تلقى الكثير من الناس ينشغلون بحياة العمل أو الزواج عن آبائهم وأمهاتهم، ويؤملون أنفسهم بلقائهم في الإجازات والمناسبات أو حين يقل ضغط العمل، وهو ما لم نسمع بحدوثه أبدًا على قدر ما يتحجج به الكثير من الناس، ويوقنون بتحققه يومًا كيقينهم بالله تعالى، وإنه لأمر عجيب! حيث يمضي الزمن وتكثر العوائق كالسفر أو الانشغال بالعمل أو الانتقال للسكن في مكان أبعد أو يفاجئهم -وهو الأهم والأقل توقعًا- الموت! فيأتي الموت ليقضي على كل الخطط والآمال والظروف التي حتى لو تيسرت لن تحدث أي فرق على الإطلاق.
والمثل نفسه يُضرب على انشغال بعض الآباء والأمهات عن أطفالهم، بالعمل ومشاغل الحياة اليومية، ثم يفاجؤون بمرور الوقت أن الأطفال قد كبروا وانشغلوا عنهم، ويخسر الآباء هنا كنزًا عظيمًا وهو فرصة عقد علاقة طيبة وصداقة وطيدة مع أبنائهم، والحاصل هو أن الكثير من هؤلاء الآباء والأمهات كانوا يمنون أنفسهم بوقت فراغ وفرصة ذهبية استثنائية، حتى يقضوا وقتًا أكبر مع أطفالهم.
ثانيًا: الأهداف والإنجازات:
وسنطرح هنا بعض الاقتراحات التي قد تعينك على التخلص من التسويف وانتظار المستقبل وإنجاز ما تتمنى كما تيسر:
1- أدومها وإن قل:
إن الأهداف والإنجازات الشخصية تعد من أكثر الأمور التي يكثر فيها الناس التسويف، ويضعون العراقيل والشروط، فكم من مهارة فات الإنسان تعلمها! وكم من فرصة لم يستغلها، وهدف لم يدركه، ومهمة لم ينجزها! فالكثير مثلًا يؤجل حفظ القرآن إلى أي أجل غير مسمى حتى يتسنى له الفراغ الكامل والتركيز الأتم لحفظه، وعلى عظمة هذا الهدف النبيل فهو يسير إذا ما خصص الإنسان له وقتًا ولو قصيرًا يوميًا، وكذلك مهارة كتعلم لغة جديدة، يؤجلها الكثيرون على أمل أن يأتي اليوم الذي تتوفر فيه بضع ساعات ليتعلموها، و10 دقائق يوميًا هي في الحقيقة كل ما تحتاجه لتجد نفسك بعد عام واحد فحسب قد أحرزت تقدمًا ذا قيمة، وهذا بدل تأجيل الهدف أعوامًا على أمل ما سيكون، هذا إن حصل وكان.
وقد سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلى اللهِ؟ قالَ: «أَدْوَمُهُ وإنْ قَلَّ»؛ ومن هذا المنطلق كان اقتراحنا بتخصيص أوقات صغيرة وقصيرة خلال اليوم، وعدم استصغارها أو الاستهانة بها، فهي قطعاً ستثمر على المدى البعيد بإذنه تعالى.
2- استغل المتيسر واستمتع بما فتح الله به عليك:
فلا تعلق رضاك أو سعادتك بما سيكون، فما تدري في أي حال ستكون أنت حينها، ولا ما الظروف التي سيحدث فيه ما تتمنى، فكثير من الفتيات مثلًا تعلق سعادتها بالعمل، وحين تعمل تنشغل حتى إنها لا تجد الوقت لقضائه مع أسرتها أو ممارسة هوايتها، وأخريات يعلقنه بالزواج، حتى إذا ما تزوجن انشغلن بالأطفال، ثم يحدث أن يصيب إحداهن الهم أو الاكتئاب لشعورها أن فرصة التعرف على نفسها وتعلم مهارات جديدة وربما العمل في تخصصها فاتت، ثم تضطر للتعايش مع هذا الشعور بالنقص واهتزاز الثقة بالنفس مهما كانت زوجة وأمًا رائعة، لذا أهيب بالمرأة -في هذا السياق بالذات- أن تحرص على استغلال فرصة عدم زواجها، وتنشغل بما يصلح معيشتها وينمي مهارتها.
تسنيم عبدالرحمن النمر
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
