في خضم الجهود السياسية والوساطات الإقليمية والدولية لوقف حرب الإبادة على غزة، طُرحت مبادرة جديدة نقلها الوسيط المصري إلى حركة «حماس»، تضمنت بنودًا تتعلق بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية، غير أن المفاجأة التي فجّرت جدلًا واسعًا تمثلت في إدراج شرط صريح ينص على نزع سلاح المقاومة الفلسطينية؛ وهو ما اعتبرته «حماس» والعديد من الأصوات السياسية والإعلامية والعربية تجاوزًا خطيرًا، ومحاولة لفرض الاستسلام تحت مسمى التهدئة.
وقد أثار هذا الطرح ردود فعل غاضبة وساخطة من مختلف المستويات، معتبرين أن السلاح ليس مجرد أداة قتال، بل هو عنوان لكرامة شعب، ودرع تحميه من التهجير والإبادة، وشرط لبقائه في أرضه.
سلاح المقاومة.. معادلة القوة في قلب التفاوض | مجلة المجتمع الكويتية
في هذا السياق، نستعرض في السطور التالية أبرز المواقف والتعليقات التي تناولت هذا المقترح، وسلطت الضوء على خطورته ورفضه القاطع من مختلف الأطياف الداعمة لخيار المقاومة.
كشف قيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لقناة «الجزيرة» أن الحركة تلقت مقترحًا عبر الوسيط المصري يتضمن إطلاق سراح نصف الأسرى الصهاينة خلال الأسبوع الأول من الاتفاق، مقابل تهدئة مؤقتة لمدة 45 يومًا يُسمح خلالها بإدخال الغذاء ومواد الإيواء.
وينص المقترح على تسليم جميع الأسرى –أحياءً وأمواتًا– مع نهاية اليوم الخامس والأربعين، كشرط لتمديد الهدنة واستمرار تدفق المساعدات.
لكن الوفد المفاوض لـ«حماس»، بحسب القيادي، فوجئ باحتواء المقترح على بند صريح يشترط نزع سلاح المقاومة، مشيرًا إلى أن القاهرة أبلغت الحركة بأنه لا يمكن التوصل لاتفاق نهائي لوقف الحرب دون الدخول في تفاوض مباشر حول نزع السلاح.
وأكد القيادي أن الحركة رفضت بشكل قاطع هذا الشرط، معتبرة أن مدخل أي اتفاق يجب أن يكون بوقف العدوان وانسحاب الاحتلال، لا بالمساس بسلاح المقاومة، الذي وصفه بأنه «حق أصيل غير قابل للنقاش، وركيزة من ركائز الدفاع عن الشعب الفلسطيني».
ردود فعل غاضبة واستفهامات مشروعة
أثار هذا التطور ردود فعل واسعة، وعلّق المحلل السياسي ياسر الزعاترة متسائلًا: هل يُعقل أن يخلو مقترح ويتكوف من الحديث عن نزع السلاح، ثم يظهر فجأة في المقترح المصري؟ مضيفًا أن رفض «حماس» للمقترح كان طبيعيًا، خاصة في ظل استمرار العدوان الصهيوني في غزة والضفة وسورية ولبنان، وتهديدات نتنياهو حتى تجاه الجيش المصري نفسه، وتساءل الزعاترة: أي خذلان أكبر من أن يقدم الوسيط العربي هدية كهذه للعدو، دون ضمان انسحاب شامل؟
من جانبه، وصف الكاتب سعيد زياد سلاح المقاومة بأنه «حق مقدس»، مؤكدًا أنه حظي بإجماع وطني لا يقل عن قضايا الأرض والعودة والقدس، وأضاف: أي عسكري مصري عاقل سيدرك أن غزة تمثل حاجزًا أمنيًا لمصر، وأن أهلها هم طليعة دفاعها الأمامية.
وسأل بمرارة: هل تدرك القاهرة أن نزع سلاح «حماس» هو تهديد مباشر للأمن القومي المصري، وأن هذا السلاح هو السدّ الذي يمنع التهجير الجماعي؟
كما عبّر الناشط الفلسطيني خالد صافي عن رفضه للمقترح قائلًا: أن تطلب من غزة نزع سلاحها، كأنك تطلب من القلب أن يتخلى عن نبضه، ومن الأرض عن جذورها، وأضاف: سلاح المقاومة هو الجدار الذي كسر خطة الاحتلال لتحويل غزة إلى نكبة جديدة، وهو ما صمدت به غزة رغم الجوع والحصار.
وأكد صافي أن نزع السلاح اليوم ليس خطوة تفاوضية، بل محاولة لقتل ما تبقى من فلسطين، مشددًا على أن البندقية لم تعد خيارًا بل شرط بقاء.
وفي تعليق، كتب الباحث سعيد الحاج: أي سلاح يُراد نزعُه؟ مقاتلات «F-35»، حاملة طائرات، صواريخ نووية؟! حيث تُطالب المقاومة التي تدافع عن شعبها بأسلحة بسيطة بالتخلي عنها، بينما يواصل الاحتلال عدوانه مدججًا بأحدث ما أنتجته ترسانات الغرب.
تجارب نزع السلاح ونتائجها الكارثية
وأشار الكاتب القطري جابر الحرمي إلى وجود تجربتين معاصرتين تشكلان درسين مهمين في ملف نزع السلاح، قائلاً: الأولى: تعود إلى ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، حين أقنع الأوروبيون والأمريكيون أوكرانيا، التي كانت تمتلك ترسانة نووية ضخمة، بأن الحماية لا تأتي من السلاح، بل من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، فتم بالفعل نزع سلاحها النووي، لتجد نفسها لاحقًا تستجدي أوروبا لحمايتها، بينما يُهين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رئيسها علنًا.
وتابع الحرمي: أما الثانية، فهي حركة «طالبان» في أفغانستان، حين حاولت الولايات المتحدة فرض نزع السلاح كشرط أساسي لأي مفاوضات، لكن «طالبان» رفضت هذا الطرح تمامًا، ولم تدخل في أي تفاوض تحت هذا العنوان، فكانت النتيجة أن اضطرت واشنطن، رغم تفوقها، إلى الجلوس على طاولة التفاوض مع «طالبان» المدججة بالسلاح، حيث خاطبوها بوضوح: ما أجبركم على التفاوض معنا إلا سلاحنا.
بدوره، قال الناشط الفلسطيني بلال ريان: إن رفض «حماس» للمقترح المصري جاء بعد صدمة إدراج شرط نزع السلاح، معتبرًا أن هذا البند لا يقود إلى تهدئة، بل إلى إبادة جماعية ممنهجة تُنفذ برعاية عربية ودولية.
وأشار إلى أن نزع السلاح قد يتبعه مطالبة بتسليم المقاتلين ومحاكمتهم، وتفكيك البنية التنظيمية للمقاومة، وفرض منظومة رقابية خانقة تعيد صياغة الحياة السياسية والاجتماعية بما يضمن إنهاء فكرة المقاومة.
واستعاد ريان مشاهد من التاريخ القريب، مؤكدًا أن تجارب نزع السلاح لم تؤدّ إلى الأمن، بل إلى مجازر، فخروج مقاتلي منظمة التحرير من بيروت عام 1982م لم يمنع وقوع مجزرة صبرا وشاتيلا، كما أن تسليم السلاح في سربرنيتسا عام 1995م لم يحصن المدنيين، بل أسفر عن مذبحة مروعة راح ضحيتها أكثر من 8 آلاف مسلم.
وختم ريان بالقول: إن «حماس» ترى في هذه المقترحات محاولة لفرض الاستسلام تحت غطاء وساطة، وأنها امتداد للرؤية الأمريكية–«الإسرائيلية» الساعية لسحق المقاومة وفرض واقع جديد في غزة بالقوة.
سبف بكير
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
