على عكس قرابة مليون مسلم من الروهنجيا، يعيشون بمخيمات اللجوء في بنغلاديش، يمتلك نور أحمد (55 عامًا) شقة في مبنى سكني ضخم بالحي الشرقي من كراتشي، أكبر مدن باكستان وعاصمتها التجارية .
هو واحد من مئات الآلاف من مسلمي الروهنجيا، الذين استقروا في كراتشي خلال السنوات القليلة الماضية.
وخلافًا لغالبية مواطنيه، الذين كانوا يعيشون في ظروف متردية حتى وفقًا لمعايير كراتشي، يدير نور عملاً استثماريًا ضخمًا.
يمتلك نور متجرا للمجوهرات في منطقة “بورما كولوني” ذات الدخل المتوسط، وهي إحدى منطقتين رئيسيتين يتمركز فيهما الروهنجيا في كراتشي.
وقال نور لـ”الأناضول”: “سافرت إلى باكستان عبر بنغلاديش والهند، في رحلة شاقة عام 1982 مع مجموعة من مسلمي الروهنجيا.. حينها كنت الوحيد الذي هاجر واستقر في كراتشي”.
وبعد عامين، استطاع أن يلم الشمل مع والديه وشقيقيه الأصغر سنًا وشقيقته.
مثل معظم المهاجرين من الروهنجيا، عمل نور في البداية كعامل في شركة لصيد الأسماك، وسرعان ما وجد وظيفة في متجر مجوهرات صغير، عمل فيه لسبع سنوات، حتى بدأ يتحسس خطاه في بناء أعماله الخاصة.
قال نور: “بدأت عملي (في مجال المجوهرات) بالشراكة مع صديق في جزء من متجر، عام 1992.. ما زلت أتذكر أنه في الشهر الأول كانت أرباحنا فقط بقيمة 2000 روبية (14 دولارًا)”.
وتابع: “البدايات غالبًا ما تكون صعبة، وتسبب ذلك في انسحاب شريكي”.
وزاد بقوله: “كنت أعاني من التقلبات المادية، وكدت أحيانًا أتخلف عن سداد ما عليّ من مستحقات في موعدها، لكنني لم أفقد الأمل، وواصلت النضال.. وبدأ العمل في الازدهار بعد خمس سنوات كانت كلها صعبة”.
واليوم، لا يملك أحمد محلات تجارية في باكستان فقط، وإنما أيضًا في كل من السعودية والإمارات.
أستاذ جامعي
ولد محمد إبراهيم (39 عامًا) ونشأ في كراتشي، حيث هاجر والداه إليها في السبعينيات، وتمت ترقيته مؤخرًا كأستاذ مساعد في كلية محلية.
قال محمد لـ”الأناضول”: “عمل والداي بشكل جاد وأصرا على ذهابي إلى المدرسة، ومن ثم الجامعة، على عكس العديد من الأطفال الآخرين الذين يعملون لزيادة دخل والديهما”.
محمد حصل على درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية من جامعة كراتشي، وتم تعيينه محاضرًا في كلية محلية، بعد أن اجتاز امتحان الخدمة الحكومية، عام 2005، وأصبح مؤخرًا أستاذاً مساعدًا.
الوضع الرسمي
“رسميًا، أنا لست روهنجيًا، إذ يتم اعتباري بنجاليًا”.. بتلك الكلمات تحدث نور مبتسمًا عن وضعهم الرسمي في باكستان.
وأوضح نور: “في الواقع، لن تجد هنا أي روهنجي مسجل رسميًا في باكستان.. فهم جميعًا يطلقون على أنفسهم بنغال (من هاجروا أو اختاروا البقاء في باكستان بعد تأسيس بنغلاديش عام 1971) للحصول على الجنسية والوظائف وغيرها من المزايا”.
وحصل الروهنجيا، الذين جاءوا إلى باكستان بين عامي 1971 و1980، على الجنسية مع أعضاء مجتمعات أخرى هاجروا من بنجلاديش.
وبعد عام 1980، تم حظر منحهم الجنسية بقرار من الحكومة.
بطاقات هوية
قال قاري محمد صالح، الأمين العام لمنظمة التضامن مع الروهنجيا، مقرها كراتشي: “كون الشخص ينتمي إلى الروهنجيا، لا يعني شيئا بالنسبة لسلطات الهجرة.. لا توجد كلمة الروهنجيا في قاموسها”.
وأضاف قاري، هاجر إلى باكستان عام 1985، للأناضول: “المسؤولون نصحونا، بحسن نية، بأن نقدم أنفسنا كبنجاليين بدلاً من روهنجيا، إذا كنا نريد الحصول على جوازات سفر وبطاقات هوية”.
وتابع: “تصوير الروهنجيا كمهاجرين غير شرعيين من جانب وسائل إعلام عديدة أثار جزع الروهنجيا، ولم يعودوا يقدمون أنفسهم على أنهم روهنجيا”.
كما أدت التوترات الإثنية في إقليم السند جنوبي باكستان، وعاصمته كراتشي، إلى تشديد الرقابة على الهجرة، إذ يتهم العديد من سكان السند المهاجرين الأفغان والبنجاليين والروهنجيين بزعزعة التوازن الإثني (العرقي) للإقليم.
وتستضيف المدينة الساحلية أكثر من 400 ألف من مسلمي الروهنجيا، وهو أكبر عدد بعد ميانمار وبنجلاديش حاليًا، بحسب تقديرات غير رسمية.
وقال قاري: “ليس لدينا أرقام دقيقة، ففي التعداد السكاني يتم اعتبارنا بنجاليين.. لذلك، لا نعرف الأرقام الدقيقة للروهنجيا في باكستان”.
وبدأ أفراد تلك العرقية المضطهدة في ميانمار يتدفقون إلى ذلك الجزء من العالم، أوائل الأربعينيات، قبل تأسيس باكستان (1947).
وحدثت موجة الهجرة الجماعية الأولى عام 1942 في أعقاب العملية الأولى للجيش الميانماري، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 100 ألف من مسلمي الروهنجيا.
غير أن غالبية اللاجئين الروهنجيا جعلوا باكستان وطنًا لهم بين 1970 و1980، بعد رحلة طويلة وشاقة عبر بنغلاديش إلى الهند ثم باكستان.
ومنذ ذلك الحين، لم تكن هناك هجرات جماعية، حيث أغلقت الهند حدودها مع بنجلاديش.
ومع ذلك، لا يزال المهاجرون يتوافدون من خلال “مهربي البشر”، وفقًا لقاري.
ورسميًا، خصص أيوب خان، الحاكم العسكري لسابق لباكستان (1958: 1969)، أراضٍ للاجئين الروهنجيا لأول مرة عام 1962، مما مهد الطريق لإنشاء مستوطنتين رئيسيتين للروهنجيا، هما “بورما كولوني” و”أراكان آباد”، في الأحياء الشرقية لكراتشي.
حرص على التعليم
يحرص شباب الروهنجيا، وخاصة الفتيات، على التعليم، حتى من الأسر الفقيرة.
وتدعم تعليم الروهنجيا صناديق تعليمية يشارك فيها تجار محليون وأفراد المجتمع الأثرياء، حيث يديرون العديد من المدارس والمراكز المهنية في المستوطنتين.
وتدير “مؤسسة الخدمات”، وهي جناح الإغاثة التابع لحزب الجماعة الإسلامية الرئيسي في باكستان، مدرسة ومشاريع إغاثة أخرى في مستوطنة “أراكان آباد” الفقيرة.
وقال نور بشار، مدير مدرسة أراكان المسلمة الثانوية في مستوطنة “بورما كولوني”، للأناضول: “لم يعد الأمر قاصرًا على الجيل الأصغر سنًا، حيث أدرك أولياء أمورهم غير المتعلمين، في العقد الماضي، أيضًا أهمية التعليم”.
وأضاف بشار، وهو يدير المدرسة منذ أكثر من 40 عامًا: “لا نريد الانغماس في أي جدل عرقي.. رغم أن لدينا خلفية روهنغية، فنحن مواطنون في باكستان ونعمل على تحسينها، مثل أي مجتمع آخر”.
وتابع: “مهمتي هي تثقيف مجتمعي.. هذه هي الطريقة الوحيدة لرفع مكانته”.
ويعيش حاليًا حوالي 900 ألف لاجئ من أقلية الروهنجيا في مخيمات مزدحمة باللاجئين في كوكس بازار في بنجلاديش، ويعتقد أن أكثر من 740 ألفًا من هؤلاء فروا من ميانمار منذ أغسطس 2017.
ومنذ التاريخ، يشن الجيش ومليشيات بوذية في ميانمار حملة عسكرية، وتُرتكب مجازر وحشية بحق الأقلية المسلمة في إقليم آراكان (غرب).
وأسفرت الجرائم المستمرة عن مقتل آلاف الروهنجيين، بحسب مصادر محلية ودولية متطابقة، فضلًا عن لجوء قرابة مليون إلى بنجلاديش، وفق الأمم المتحدة.
وتعتبر حكومة ميانمار الروهنجيا “مهاجرين غير نظاميين” من بنغلاديش، فيما تصنفهم الأمم المتحدة “الأقلية الأكثر اضطهادا في العالم”.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
