من ميزات الإسلام العظمى أنه دين عملي، فلا تنفصل فيه الاعتقادات عن الممارسات، فيسعنا وببساطة شديدة رؤية التجارب العملية في الواقع قديمًا وحديثًا للإسلام، بل ولدينا تجربة عملية مثلى يُقتدى بها وهي عصر النبوة والخلافة الراشدة، ثم القرون الأولى المفضلة.
وإن تلك المعاني الجليلة التي أخبر عنها الشرع عن رمضان وإحياء قلوب الناس وإصلاحه لحياتهم بالقرآن وأخلاقه؛ نجده واقعًا في سير أعلام الأمة، فقد تعاملوا مع رمضان كمشروع متكامل للوصول للجنة، ونستعرض في هذا المقال صوراً من قصص الصالحين في رمضان لشحذ الهمم واستلهام سبل الفوز فيه:
1- النبي صلى الله عليه وسلم:
وأحق من يُبدأ بقصة من سيرته في رمضان هو النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عبدالله بن عباس قال: «كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ حِينَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ يَلْقاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ فيُدارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» (صحيح البخاري).
وإن كان الجود من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم عادةً وطبعًا؛ لكنه يبلغ ذروته في رمضان، وقد فسر ابن عباس ذلك بأنه أثر تدارس النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام القرآن في رمضان من كل عام.
ويُستفاد من ذلك أمور، منها:
- العلم إذا لم يتحول إلى خلق وسلوك في حياة الفرد فلا فائدة منه، ورمضان فرصة عظيمة لالتزام المعرفة بالعمل.
- أثر الصحبة الصالحة في حياة الفرد، وأهمية الاجتماع معهم على الطاعات لما فيه من صلاح وخير للعبد.
- مدارسة القرآن مدرسة تأهيل سلوكي ووجداني للفرد إذا أقامها بحقها، وليست مقتصرة على إقامة الحروف والأصوات فحسب.
- الحث على الجود والكرم وغيرها من الأخلاق الطيبة طوال الوقت، والزيادة فيها في الأوقات الفاضلة لما فيه من مضاعفة الأجور.
2- عمر بن الخطاب:
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديد المحاسبة لنفسه، خاصة في مواسم الطاعات، يُروى أنه في يوم من أيام رمضان قُرِّب إليه طعام طيب، فمدّ يده إليه، ثم قبضها فجأة، وقال يخاطب نفسه: «أوَ كلما اشتهينا شيئًا أكلناه؟! كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما اشتهى»، ثم بكى وترك الطعام. (لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي، ص 314).
فلم يكن الطعام حرامًا، ولم يكن عمر عاجزًا عنه، لكنه كان يربي نفسه على ألا تنقاد لكل شهوة ولو كانت مباحة، فقد كان يرى أن الصيام ليس مقتصرًا على الامتناع عن المفطرات، بل هو تمرين عميق على ضبط الإرادة، وتحرير القلب من التعلّق الزائد بالدنيا.
ويُستفاد من ذلك أمور، منها:
- علو الهمة لا يكون فقط بالإكثار من الطاعات، بل كذلك بتقليل الاستجابة لشهوات النفس وإن كانت مباحة.
- قوة المربي الحقيقي أن يُحسن محاسبة نفسه قبل أن يُحاسِب غيره، ورمضان دورة تدريبية مكثفة في الانضباط الداخلي يحسن استغلالها.
- توطين النفس على المصاعب في وقت السعة يهون عليها ويقويها ما قد تلاقيه من ابتلاء في وقت ضيق.
3- عبدالله بن عمر:
كان عبدالله بن عمر رضي الله عنه دائم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في دقائق السلوك، حتى روى نافع مولاه: أنه كان يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم حتى في مواضع نزوله وصلاته. (صحيح البخاري (848)، وعبدالرزاق في المسند (3922)).
وفي رمضان، فقد تجلّى اقتداؤه في صورة عملية مؤثرة؛ إذ كان جوادًا سخيًا لا يفطر إلا ومعه مسكين، وكان إذا علم أن في بيته طعامًا لا يكفي إلا له طلب أن يُدعى إليه فقير يشاركه الإفطار، قال نافع: كان ابن عمر لا يفطر إلا مع المساكين، فإن منعهم أهله عنه لم يتعشَّ تلك الليلة. (سير أعلام النبلاء، 222/ 3).
ويُستفاد من ذلك أمور، منها:
- أن ذلك الفعل مما يرفع الهمة في تحويل العبادة إلى أثر اجتماعي دائم حتى يصير كالعادة.
- أن الصوم يرقق النفس ويجعلها رحيمة بالفقراء محبة لمخالطتهم والتقرب إلى الله بالقرب منهم.
- لزوم ترويض النفس على الإيثار، فقد كان ابن عمر قادرًا على الأكل وحده، بل والتوسعة على نفسه وقد كان ميسورًا، ولكنه يقدّم غيره على نفسه.
- خير الأعمال أدومها وإن قل، فكان يفطر يومياً ولو مسكينًا واحدًا ولا يقطع عادته مع الله عز وجل.
4- الشافعي:
كان السلف مكثرين من تلاوة القرآن في رمضان، حتى روي عن الشافعي أنه كان يختم القرآن في رمضان 60 ختمة يقرؤها في غير الصلاة (لطائف المعارف، ص169)، وقد يستشكل البعض ما روي عنه وغيره في ذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يُقرأ القرآن في أقل من ثلاث!
يقول ابن رجب الحنبلي: «إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاثٍ على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضَّلة كشهر رمضان، والأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحبُّ الإكثار فيها من تلاوة القرآن، اغتنامًا لفضيلة الزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة» (لطائف المعارف، ص171).
ويُستفاد من ذلك أمور، منها:
- أن استغلال نفحات الله في أيام العمر سُنة عظيمة سار عليها سلف الأمة الصالح وأحسنوا اقتناصها.
- أن ما يُحكى عن السلف الصالح من علو الهمة مما قد يستعظمه البعض؛ يسير على من يسره الله عليه، فقد كانوا بشرًا من البشر وليسوا بملائكة.
- أن عبادة الله عن فقه في الدين تبصر العبد بمواضع جليلة تقربه من الله عز وجل.
رقية محمد