أحدث الأخبار
عاجل

برنامج عملي لاغتنام رمضان

+ = -

تتجلّى رحمةُ الله بعباده أن رزقهم سوقًا عظيمة تُقام مرة في كل عام، فترتفع فيها أجور العاملين أضعافًا مضاعفة، وتُغسل فيها القلوب من أدران الذنوب، وتكون فرصة عظيمة لتحرير الروح من شهواتها، وإعادة إحيائها من جديد، فها قد أقبلت سوق رمضان، تنادي العاملين وقنّاصي الفرص، تبحث عمّن شمّر ساعده وخطّط ونظّم لاستغلال كل لحظةٍ في هذا الشهر المبارك؛ ليهديه عتقًا من النيران وجنّاتٍ عرضها السماوات والأرض.

وهذا برنامج عملي للفوز في هذا الشهر الكريم الذي خسر من أدركه ولم يُغفر له، بداية من ذكر مداخل التخطيط له، ثم اقتراح أنموذج عملي لتطبيقه في الواقع.

مفاتيح التخطيط الناجح

1- الاستعانة بالله:

في البداية يجب أن يتبرأ العبد من حوله وقوته، ويلجأ إلى مولاه ويطلب عونه وتوفيقه، فإن من حُرم التوفيق حُرم الخير كله في الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) (الأنفال: 24)، وفيه بيان لحقيقة أن الله هو من يحول بين المؤمن والمعصية، فلا يغتر أحد بنفسه، بل يتواضع ويلوذ بالله ليُثبت قلبه على الهداية.

2- التوبة:

التوبة تنقيةٌ للنفس من أدرانها التي علقت بها، فكما أن المسلم يُطهر بدنه بالماء قبل الصلاة، يجب عليه تطهير قلبه من أمراضه بالاستغفار وكثرة التعرّض للقرآن، فهو شفاء للقلوب كما قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (يونس: 57).

3- التحفيز:

من أهم المعينات على التخطيط استشعار عظمة الهدف، فيكون حريصًا على استغلال كل لحظة في حياته، بالإكثار من السماع أو القراءة عن فضل رمضان وخصائصه وجزيل عطائه، فإذا تحرّك القلب تحرّكت الجوارح وهان عليها الصعاب.

4- الصدق مع النفس:

يرسم البعض خططًا خيالية لا تناسبه، رغم علمه بنقاط ضعفه وقوته، فيُلزم نفسه بما لا يطيق؛ لذا فلا بد من وضع أهداف حقيقية يمكنه تنفيذها، ويضع لنفسه محطاتٍ، مثل: محطة الأيام العشرة الأولى، ثم محطة العشرة الوسطى، ثم محطة العشرة الأواخر، ويزيد في كل مرحلة أهدافه، ويتابع أسباب تقصيره ويجتهد في تلافيها في المحطة التالية، ويكون عنوانه ما جاء في السُّنة: «إن تَصْدُقِ الله يَصْدُقْكَ» (رواه النسائي، وصححه الألباني) فالصدق مع النفس يهدي إلى توفيق الله وكرمه.

5- تحديد المعوقات:

أن يُبصر الإنسان معطّلات وصوله إلى هدفه يجعله يقظًا دائمًا؛ فلا يسقط فيها، وإن ضعفت إرادته مرةً أسرع بالعودة، ومن أمثلة تلك المعوقات: التسويف، والغفلة، والانشغال بالهواتف، وكثرة اللغو والثرثرة فيما لا يفيد، والإسراف في المباحات مثل النوم والأكل والشرب، فيضيع بذلك وقت رمضان، وغيرها من المعطّلات التي يعلمها الإنسان في حياته؛ فيجب أن يفطن لها حتى لا تطغى على ما خططه من أمور.

6- تحديد الأهداف:

ومثال ذلك:

  • القرآن: ختمة قرآن، تدبر آية واحدة يومياً وتطبيقها في حياته.
  • صلاة: النوافل وقيام الليل.
  • أعمال صالحة متنوعة: فيختار كل يوم عملاً أو أكثر حسب وقته؛ كصلة رحم، أو إفطار صائم، أو بر الوالدين، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك من الأعمال الصالحة.
  • مستوى العادات: غرس عادة جديدة في هذا الشهر المبارك، والتخلص من عادة أخرى سيئة.

7- وضع البرنامج:

بعد تحديد الأهداف بوضوح، يتم توزيعها على مدار اليوم في رمضان، مع مراعاة تحديد زمن لكل هدف ووقت تنفيذه المحدد، مع الاهتمام بمرونة الجدول، كوضع وقت بديل في حال حدوث طارئ، حتى لا يتأثر البرنامج بالتأخير، وتدوينه في الورق، وكتابة جمل ملهمة وتحفيزية فيه تشجع على الوصول للهدف.

نموذج برنامج عملي للفوز في رمضان

ليكن مثلًا برنامج «أيام معدودات»، وهو اسم مستمد من قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {183} أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ) (البقرة)؛ أي وقت سريع الانقضاء، وهي كلمة ترفع الهمم وتحفّز النفوس لاقتناص هذا الوقت القليل المتسرّب من بين الأيدي، وتُشعر المؤمن أن كل ليلة من ليالي رمضان فرصة يجب اغتنامها.

يقوم البرنامج على 4 أركان يومية، إذا انتظمت صارت، بإذن الله، سُلّمًا للعتق من النيران:

أولًا: صحبة القرآن:

الهدف: صحبة القرآن من خلال إتمام ختمة كاملة على الأقل خلال الشهر.

الآلية: قراءة جزءٍ كاملٍ يوميًّا (20 صفحة).

يُستحسن الجمع بين القراءة والسماع بفتح المصحف أثناء الاستماع؛ لما في ذلك من تثبيتٍ وتركيز، مع اختيار قارئٍ ضابط للتلاوة ومؤثرٍ يعين على الخشوع.

تقسيم مقترح:

  • 10 صفحات بعد الفجر.
  • 5 صفحات بعد العصر.
  • 5 صفحات قبل النوم أو بعد التراويح.

العبرة ليست بعدد الختمات فحسب، بل بحضور القلب، وإحياء الصلة بكلام الله عز وجل.

ثانيًا: تدبر القرآن:

الهدف: العمل بالقرآن من خلال تدبره، فلم يُنزل ليُتلى فحسب، بل ليُعمل به.

الخطوات اليومية: ليُتخير آيةً أو أكثر من الجزء المقروء، ويرجع فيها إلى تفسيرٍ مختصرٍ موثوق.

آيةٌ واحدة تغيّر سلوكًا، خيرٌ من صفحاتٍ تمرّ بلا أثر.

ثالثًا: قيام الليل:

الهدف: «مَن قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» (مسلم، 759)، فقيام الليل روح رمضان، وهو الميدان الذي تُختبر فيه الصدق والعزيمة.

البرنامج المقترح: 11 ركعة يوميًّا، تؤدّى في المسجد أو البيت بحسب الحال، ولا حرج في القراءة من المصحف في النافلة.

توجيه تربوي: جعل بعض الليالي لإطالة القراءة، وبعضها لإطالة السجود والدعاء، والاجتهاد في الخشوع والتضرع بين يدي الله.

ركعتان بخشوع، خيرٌ من قيامٍ طويلٍ بغيره.

رابعًا: الدعاء:

الهدف: اقتناص الأوقات الفاضلة في الدعاء، مثل وقت الإفطار، وبين الأذان والإقامة، وفي الثلث الأخير من الليل، فإنها أوقات لاستجابة الدعاء.

البرنامج المقترح: تخصيص وقتٍ ثابتٍ في تلك الأوقات، وإعداد قائمة دعاء تشمل الدعاء بالخير للنفس والأهل والذرية في الدنيا والآخرة، والدعاء لعموم الأمة، والجمع بين الأدعية المأثورة والدعاء المختار المحتاج إليه.

الدعاء سلاح المؤمن والسهم الذي لا يخطئ.

خامساً: تخير طاعة يومية:

الهدف: أن يختار المسلم كل يوم عملًا صالحًا يتقرب به إلى الله خارج الفرائض والنوافل المعتاد عليها، فيتحول رمضان إلى موسم إحسانٍ شامل.

البرنامج المقترح: عمل شيء من الآتي:

  • صلة الرحم ولو باتصالٍ هاتفي أو زيارةٍ قصيرة.
  • برّ الوالدين بخدمةٍ أو كلمة طيبة أو قضاء حاجة.
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.
  • مساعدة أهل البيت في أعمال المنزلية دون تذمر.
  • إدخال السرور على قلب مسلم.
  • صدقة خفية.
  • إصلاح ذات البين بين مؤمنيْن.
  • قضاء حاجة مسلم أو فك كربته.

تنوع الأعمال يحيي القلب، ويمنع الرتابة، ويزكي النفس ويزيدها إيمانًا.

وإن كان من وصية أخيرة فهي التذكير بأن رمضان مشروعُ إصلاحٍ شامل لجميع الحياة لمن أحسن اقتناصه، فليُجتهد فيه إلى الغاية، وليُجعل الجنة هدفًا لا يُساوَم عليه؛ (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين: 26).

رقية محمد

الوسم


أترك تعليق