منذ أن بدأ الاجتماع البشري وكبار هذه التجمعات وعقلاؤها وحكماؤها وفلاسفتها ومشرعوها والمنشغلون فيها بالشأن التربوي والناشطون في مجال الخدمات الإنسانية… يسعون ما وسعهم الجهد للحصول على وصفة أخلاقية تجعل الصورة الذهنية للمدينة الفاضلة التي رسمتها مخيلاتهم تمثل في واقع الناس حالة مادية واقعية تسعى على قدمين..
بيد أن التاريخ البشري منذ أن بدأ الإنسان يرقم انطباعاته ويدون تجاربه على الصخر رسما وإشارة وحرفا إلى أن بلغ نهم الاتصال به حدا يبحث معه عن كائنات عاقلة تعيش في كواكب أخرى غير الأرض ليتواصل معها ويستكشف أحوالها.. طوال تلك الحقب ورغم تعدد التجارب لم يشهد واقع الناس تمثل تلك القيم المتخيلة ولا في تجربة واحدة.. بما فيها تلك النماذج التي كان يقوم على تجاربها حكماء وفلاسفة، فضلا عن تلك التجارب التي كانت تزدري الحكمة علنا وتستعلن بالفاحشة وتخاطب من يراجعها في ذلك الموقف بأسلوب التهكم قائلة: (يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود:87).
بل قد تنحط إلى أسفل سافل الأخلاق وتجاهر بها كما في الصورة التي يرسمها القرآن الكريم لحوار قوم لوط مع نبيهم عليه السلام، إذ يجعل القوم تلك الفاحشة أشبه بالبديهية التي (بنظرهم) ما ينبغي أن يجهلها نبي الله فيقولون له: وإنك لتعلم ما نريد!
(وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) (هود).
وتدون لنا الآثار الباقية في مدينة بومبي حال المدينة وأهلها قبل أن يحل عليهم غضب الله الذي أحال مدينتهم بما فيها ومن فيها رمادا!
وما الحروب المدمرة التي فتكت بالأمم الظالمة عبر العصور إلا صورة من صور العقوبة الإلهية التي حلت بتلك الأمم الظالمة لما واقعته من ظلم أكبر متمثل في الشرك بالله ولما وقعت فيه من ظلم دونه متعلق بحقوق العباد من نهب الثروات واستعباد الأمم وغيرها من الشرور التي أشاعتها في الأرض فكان أن حاق ظلمها بها فدمرها الله تدميرا في حروب متوالية كان أعظمَها الحربان العالميتان اللتان أتتا على أخضر تلك الأمم ويابسها حتى كادت تفني ما راكمته من خيرات البلاد المنهوبة.
وها هي تتكشف الحقائق عن زيف كل الدعاوى والفلسفات والنظريات التي أقام على أساسها المنتصرون في حروب القرون الأخيرة مؤسسات العدالة المزعومة التي يفترض بها أن تنصف المظلومين من الظالمين.. فإذا هي تكشر عن أنيابها أدوات غشومة عمياء لا تميز حقا من باطل ولا تفرق بين ظالم ومظلوم.. ولا تعدو أن تكون سباعا معلمة تسالم من يسالم صاحبها وتعادي من يعاديه.
وهذا العماء والانطماس لا يختلف في التجارب الحضارية البشرية إلا من حيث الدرجة أما من حيث النوع فكلهم ظالم لنفسه، ليس فيهم لا مقتصد ولا سابق بالخيرات..
إلا المصلين
ليس هناك من حضارة حققت أحلام الفلاسفة وترجمت آمال المصلحين غير الحضارة الإسلامية التي أقامت الصلاة فأقامت الصلاة لها أركان الحياة المطمئنة وأقامت موازين العدالة بين الناس بالسوية حتى حمدها الأباعد قبل الأقارب واستظل بظلها ألد خصومها كما لم يستظلوا في ظل حضاراتهم ومدنياتهم التي أقامت المحاكم لتفتيش الصدور عما استكن فيها!
وكان يكفي هذه الحضارة لتقوم أن يلقى في روعها قول الحق سبحانه:
(ٱتۡلُ مَاۤ أُوحِیَ إِلَیۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ) (العنكبوت:45)
هذه الشعيرة التي إن أقيمت كما أراد لها شارعها أن تقوم فإنها تقيم كل شيء على السراط المستقيم، ذلك أنها تجعل الأعمال منظورة بين المصلي وبين ربه وبين مجتمعه المؤمن كما قال الله تعالى:
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة:105).
وأنى لمؤمن يرى أن عمله ماثل بينه وبين ربه أن يطغى فيه أو يوجهه وجهة لا يرضى عنها الرقيب الحسيب الذي يراه ويرى صنيعه فيما يصنع وتركه فيما يترك!
من أجل ذلك وُضعت الصلاة في عمل العبد بمثابة الاستثناء حتى مما هو في الإنسان بمنزلة الغريزة: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُون) (المعارج).
ولئن وقف المصلحون أمام بعض الانحرافات حائرين لا يدرون كيف يعالجونها فقد دلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علاج يمكن أن يختصر عليهم الكثير من الجهود في معالجة معضلات الأخلاق.. إنه علاج الانحراف بالعبادة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال إنَّ فلانًا يُصلِّي بالليلِ فإذا أصبحَ سَرَقَ قال إنهُ سينهاهُ ما يقولُ” (أخرجه أحمد والبزار وابن حبان).
فليعد المربون وضع الصلاة في نصابها من نفوس الأفراد وليعد المصلحون وضع الصلاة في نصابها من المجتمعات وليعد القادة وضع الصلاة في نصابها من الأمة يصلح لهم الفرد والمجتمع والأمة في أواخر الزمان كما صلح بها الجميع في أوله.
أمين حميد
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
